في قلب الهجير، والشمسُ تنفثُ نارها على الرمال الملتهبة، وقف الحسين عليه السلام وحيدًا، بعد أن صرعوا رجاله وأحبّته، ولم يبقَ له إلا رضيعٌ يتلوى من العطش في حجره، أبنه عبدالله الرضيع كأنّه نبتةٌ ذابلة في مهبّ الريح.
حمله الحسين بين يديه، ذاك الطفل الذي لا يعرف السيف، ولا قاتل أحدًا، ولا نطق بغير أنين الظمأ، وخرج به نحو القوم… رفعه بين ذراعيه، وناشدهم:
“يا قوم، إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، ألا ترونه كيف يتلظى عطشًا؟!”
كانت كلماته تمزق القلوب لو كان فيهم قلبٌ… لكن القساوة كانت قد طمست البصائر، وارتفعت همسات الفجور بين معسكر عمر بن سعد.
هناك، حيث كان الحرملـة بن كاهل الأسدي، نظر إليه أمير الجور، وأمره:
“اقطع نزاع القوم.”
فسدّد حرملة سهمًا ثلاثي الشعب، كأنّه الموت نفسه، وأطلقه نحو ذلك الجسد الطاهر… وإذا بالسهم يخترق نحر الرضيع من الوريد إلى الوريد، فذاب النحر الصغير، وسال الدم كأنه نهر من الظلم المراق.
حينها، نظر الحسين إلى كفه وقد امتلأت بدم ولده، فرفعها نحو السماء وقال:
“اللهم إن كان هذا يُرضيك، فخذ حتى ترضى.”
ثم مشى بالرّضيع نحو خيم النساء، لكنّه احتار: أيدفنه أم يُريه لأمه؟! وكيف يخبرها أن رضيعها قُتل؟!
فذهب خلف الخيمة، وحفر قبرًا صغيرًا بسيفه المرهق، ووضع فيه الجسد الطاهر، وأهال عليه التراب بيدين مرتجفتين من الألم.
هذا المشهد ليس مجرد لحظة في التاريخ، بل نداء إنساني خالد يُصرخ في وجه كل ظالم:
“أي ذنب اقترفه رضيع؟!”
مشهد عبدالله الرضيع سيبقى شاهدًا على وحشية القوم، وعلى سمو الحسين، الذي لم يُبدِ ضعفًا رغم الجراح، بل قدّم حتى الطفل ليُكمل طريقه نحو الحقيقة الخالدة.


