السيرة النبوية في المنظور الشيعي الإمامي

السيرة النبوية في المنظور الشيعي الإمامي

السيرة النبوية في المنظور الشيعي الإمامي

✍️ إعداد: م. مصطفى كامل الشريف

أولًا: النسب الطاهر والتهيئة الإلهية للسيرة

يتفق التراث الشيعي على أن الله تعالى اصطفى بيت النبي صلى الله عليه وآله منذ أزمان بعيدة، وأن نسبه انتقل في أصلابٍ طاهرة وأرحامٍ مطهَّرة حتى وصل إلى عبد الله وآمنة. ويُستشهد على ذلك بقوله تعالى:

﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾

حيث فسَّرت روايات عن الأئمة عليهم السلام أن المراد: تقلبه في أصلاب الأنبياء والأوصياء الساجدين لله.

  • ينتهي نسبه الشريف إلى عدنان ثم إلى إبراهيم الخليل عليه السلام.
  • وُلِد في عام الفيل في مكة، يوم الجمعة السابع عشر من ربيع الأول – وهو المشهور في مدرسة أهل البيت.

توفي أبوه عبد الله وهو حملٌ في بطن أمّه، ثم فقد أمّه آمنة بنت وهب وهو في السادسة من عمره، فتكفّله جده عبد المطلب، ثم عمه أبو طالب، الذي سيكون له دور مصيري في حماية الرسالة.

وفي روايات الشيعة تأكيد على أن آبائه وأجداده كانوا موحدين على دين إبراهيم، وأن الشرك لم ينجّس هذه السلسلة أبدًا.

ثانيًا: الطفولة والشباب وتشكّل شخصية «الصادق الأمين»

1. الرضاع في بني سعد

خرج مع حليمة السعدية إلى البادية، فكان ذلك:

  • تصفية للسانه العربي.
  • وتهيئة لبنية قوية.
  • وانخراطًا مبكّرًا في حياة الصحراء بما فيها من خشونة وصبر.

تروي الروايات أن البركة ظهرت في دار حليمة منذ حملت هذا الرضيع، حتى ارتفع شأنها بين قومها.

2. الكفالة عند أبي طالب

بعد وفاة عبد المطلب، أوصى بالنبي إلى أبي طالب، فكان:

  • يأكله مما يأكل.
  • ويُدخله في مجلسه.
  • ويذبّ عنه.

حتى إن الشعر الجاهلي حفظ لنا أبياتًا لأبي طالب يعلن فيها إيمانه بنبوة محمد، وإنْ كان يكتمها عن قريش لمصلحة عليا، وهو ما تؤكده مصادر الشيعة، خلافًا لما هو شائع في بعض مصادر أهل السنة.

3. ملامح القيادة قبل البعثة

قبل أن يُبعث:

  • شارك في حلف الفضول، وهو ميثاق لنصرة المظلوم في مكة، وقال لاحقًا: «لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت».
  • حَكَم في قضية الحجر الأسود عندما اختلفت القبائل أيُّها يضعه في مكانه، فبسط رداءه ووضع الحجر في وسطه، ثم جعل زعماء القبائل يحملون أطراف الرداء، ثم وضعه هو بيده الشريفة في مكانه، فغلب حكمُه الفتنةَ بتمام الحكمة.
  • اشتهر بين الناس بلقب «الصادق الأمين»، فلا يُعرف عنه كذب ولا خيانة ولا فحش.

4. علاقة الإمام علي بالنبي في هذه المرحلة

الرواية الشيعية تُبرز أن الإمام عليًّا عليه السلام نشأ في حجر النبي:

  • سكن عنده منذ طفولته بسبب ضيق حال أبي طالب وكثرة عياله.
  • كان يراه في كل أحواله، قبل وبعد البعثة.

يقول علي عليه السلام في نهج البلاغة، واصفًا علاقته بالنبي: «وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه…».

هذه التربية المباشرة ستجعل عليًّا المرآة الأقرب لشخصية النبي وأخلاقه.

ثالثًا: البعثة، يوم الدار وإعلان الوصاية الأولى

1. بدايات الوحي

كان النبي يعتكف في غار حراء، متفكرًا في فساد المجتمع المكي. وفي ليلة من ليالي رجب – بحسب الرواية الشيعية – نزل جبرائيل بقوله تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾

فعاد إلى خديجة يرتجف، فهدّأته، وآمنت به بلا تردد، لتكون أول المؤمنين من النساء.

آمن معه:

  • خديجة.
  • علي وهو في حدود العاشرة.
  • زيد بن حارثة.
  • ثم أبو بكر وغيرُهم.

2. الدعوة السرية ثم العلنية ويوم الدار

استمرت الدعوة سرًّا ثلاث سنوات، ثم نزلت الآية:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

فجمع بني هاشم في بيت أبي طالب، وقدّم لهم الطعام، ثم دعاهم إلى الإيمان.

وفي نهاية الدعوة، قال لهم النبي كما في روايات الشيعة والطبري وغيره:

«أيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي؟»

فلم يقم أحد إلا علي، وكان أصغرهم سنًّا، فقال النبي:

«إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».

هنا تضع الرؤية الشيعية أول لبنة علنية لمسار الإمامة في حياة النبي.

رابعًا: مرحلة الاضطهاد والحصار ودور أبي طالب وخديجة

  • تعرّض المؤمنون الأوائل للتعذيب: بلال، آل ياسر، خباب…
  • قاوم النبي بأخلاقه وصبره، ولم يستخدم العنف.
  • اشتد ضغط قريش حتى فرضوا على بني هاشم حصارًا اقتصاديًا واجتماعيًا في شِعب أبي طالب لثلاث سنوات، مُنعوا فيها من البيع والشراء والزواج والاختلاط.

في هذه المرحلة:

  • كان أبو طالب يشكل خط الدفاع الأول.
  • وكانت خديجة تنفق كل ما تملك على المؤمنين.
  • وكان علي عليه السلام من أقرب الناس إلى النبي في الشعب.

انتهى الحصار بمعجزة أكل الأرضة لصحيفة المقاطعة إلا اسم الله، ثم رُفع الحصار.

لكن هذا الانفراج تلاه مصابان عظيمان:

  • وفاة خديجة.
  • وفاة أبي طالب.

فسُمّي ذلك عام الحزن، وتذكر الروايات أن جبريل نزل يعزّي النبي.

خامسًا: الهجرة وليلة المبيت: ذروة الفداء العلوي

1. الإعداد للهجرة

حين قررت قريش قتل النبي في دار الندوة، نزل جبرائيل يخبره بالمؤامرة، فأمره الله بالهجرة.

هنا يأتي الدور المحوري لعلي عليه السلام:

  • نام في فراش النبي، وهو يعلم أن السيوف ستنهال على هذا الفراش عند الفجر.
  • غطّى نفسه ببردة النبي الخضراء.
  • نزلت الآية – بحسب الروايات الشيعية – في هذا الحدث: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾
  • بقي في مكة أيامًا يؤدي أمانات النبي لأهلها، ثم هاجر لاحقًا نحو المدينة، حتى دخلها متعبًا مجروحًا من وعثاء الطريق.

2. البناء في المدينة والمؤاخاة

أسس النبي في المدينة:

  • المسجد النبوي.
  • وثيقة المدينة التي نظّمت العلاقة بين المسلمين واليهود وسكان المدينة.
  • الأخوة بين المهاجرين والأنصار، وجعل عليًّا أخاه، وقال له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».

كما جعله – في روايات كثيرة – قاضي المدينة الأول، يرجع إليه في المعضلات، واشتهر قوله: «أقضاكم علي».

سادسًا: الغزوات والمعارك ودور الإمام علي عليه السلام

1. بدر الكبرى: ميلاد القوة الإسلامية

كانت أول معركة حاسمة بين المسلمين وقريش سنة 2 هـ:

  • عدد المسلمين: 313 تقريبًا.
  • عدد المشركين: نحو ألف.

في هذه المعركة:

  • حمل راية المهاجرين علي عليه السلام.
  • كان له النصيب الأكبر من فرسان قريش: عتبة، الوليد، شيبة وغيرهم، حسب الروايات.
  • روى ابن شهرآشوب والمجلسي أن جبرائيل هتف في السماء: «لا فتى إلا علي، لا سيف إلا ذو الفقار».

وعدّت بدر بداية الانتقال من الدفاع إلى التأسيس العسكري للدولة.

2. أحد: درس الطاعة والثبات

في سنة 3 هـ، خرج المسلمون إلى أحد. في البداية انتصروا، لكن مخالفة الرماة لأمر النبي بالنزول عن الجبل أدّت إلى التفاف العدو.

هنا ظهر دور علي بشكل بالغ:

  • دافع عن النبي في أشد لحظات الخطر.
  • أُصيب بجراح كثيرة.
  • غُشي على النبي وأشيع خبر قتله، فثبت علي وقلة من المؤمنين حوله.

تنقل بعض المصادر أن النبي قال: «ما زال جبرائيل يقول: يا محمد، إن هذه لهي المواساة من علي لك».

وأن النبي قال له بعد المعركة: «بشر يا علي، فقد شكر الله لك صنيعك في أحد».

3. الأحزاب (الخندق): ضربة تعادل عبادة الثقلين

في سنة 5 هـ، تحالفت قريش وغطفان واليهود، وحاصروا المدينة. بمشورة سلمان الفارسي، حُفر خندق حول المدينة.

أخطر نقطة كانت:

  • اجتياز الفارس الشهير عمرو بن عبد ود العامري للخندق.
  • طلبه المبارزة.
  • إحجام الصحابة عن الخروج له.
  • نهوض علي عليه السلام، رغم أن عمره لم يتجاوز 25 تقريبًا.

قال النبي: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله».

قتل علي عمروَ، فانهارت معنويات الأحزاب وانتهت المعركة لصالح المسلمين.

ينقل المجلسي عن النبي قوله: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».

وهذه الكلمة من أعمدة الرؤية الشيعية لدور علي في حماية أصل الإسلام.

4. الغزوات مع اليهود: بني قينقاع، النضير، قريظة

في هذه المواجهات:

  • عوقِب بنو قينقاع وبنو النضير على خياناتهم.
  • وحوصِر بنو قريظة وحُكم عليهم بما ورد في السيرة.

المصادر الشيعية تؤكد:

  • أن عليًا كان المحور العسكري والقيادي في كثير من هذه المواجهات.
  • وأن النبي اعتمد عليه في أصعب المواقع.

5. صلح الحديبية: السياسة العليا ورسالة الولاية

في السنة السادسة للهجرة:

  • خرج النبي للعمرة مع أصحابه بلا سلاح حرب.
  • منعته قريش.
  • انتهى الموقف بصلح أثار استياء بعض الصحابة لِما رأوا فيه من التنازلات الشكلية.

كتب علي بن أبي طالب صحيفة الصلح، فلما طلب المشركون محو لقب «رسول الله» من الوثيقة، تردّد علي احترامًا لمقام النبي، فأمره النبي أن يمحوها، فمحاها وهو متألم.

تُظهر القراءة الشيعية للحديبية:

  • أنها فتح سياسي فتح الطريق لانتشار الإسلام في الجزيرة.
  • وأن الله سمّى هذا الصلح: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾.
  • وأن الحديبية كانت مدخلًا لفتح مكة فيما بعد.

6. فتح مكة: تتويج المسار

في السنة 8 هـ، بعد أن نقضت قريش الصلح، خرج النبي بجيش كبير:

  • دخل مكة متواضعًا.
  • أعلن العفو العام: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
  • أمر بتحطيم الأصنام في الكعبة، وكان علي عليه السلام ممن صعد على كتفي النبي ليُسقط بعض الأصنام، حسب بعض الروايات الشيعية.

هذا الفتح حسم الصراع مع قريش، وأطلق مرحلة “سنة الوفود” ودخول القبائل في الإسلام.

7. خيبر: الراية التي لا يفرّ صاحبها

خيبر كانت حصونًا قوية لليهود على بعد مسافة من المدينة:

  • طُوِّقت خيبر.
  • قُدِّمت الراية في البداية لبعض القادة، فرجعوا وقد أُصيبت نفوسهم بالهزيمة.

في اليوم التالي قال النبي:

«لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، كرّار غير فرّار، يفتح الله على يديه».

بات الناس يَمنّون أنفسهم بالراية، فلما أصبحوا دعا النبي عليًّا، وكان أرمد العينين:

  • مسح النبي عينيه فبرئتا.
  • سلّمه الراية.
  • خرج علي، فبرز له مرحب فارس اليهود، وتعارفا بالأراجيز.
  • انقضّ عليه علي فقتله.
  • اقتلع باب الحصن، واتخذه درعًا، كما تنقل مصادر الشيعة.

فُتحت خيبر على يديه، وكان ذلك فتحًا اقتصاديًا وعسكريًا ضخمًا للمسلمين، وتمثل في الوعي الشيعي تتويجًا لعظمة شجاعة علي وربطًا مباشرًا بين النصر الإلهي وسيفه.

سابعًا: أهل الكساء وآية التطهير

نزلت الآية:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ… ﴾

بحسب الروايات:

  • جمع النبي عليًّا وفاطمة والحسن والحسين تحت كسائه.
  • وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي…».
  • فأنزل الله الآية فيهم خاصة، كما يقول علماء الإمامية، وإن ارتبطت الآيات قبلها وبعدها بزوجات النبي.

بهذا تأسست عقيدة عصمة أهل الكساء الخمسة:

  • محمد.
  • علي.
  • فاطمة.
  • الحسن.
  • الحسين.

وهُم محور الإمامة الإلهية في المدرسة الشيعية.

ثامنًا: المباهلة – «أنفسنا وأنفسكم»

لما قدم وفد نجران النصراني:

  • جادلوا في ألوهية عيسى.
  • نزلت آية المباهلة: ﴿ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا… ﴾

خرج النبي:

  • يحمل الحسين.
  • وآخذا بيد الحسن.
  • وخلفه فاطمة.
  • وخلفها علي.

هؤلاء، وفق التفسير الشيعي:

  • الحسن والحسين: «أبناءنا».
  • فاطمة: «نساءنا».
  • علي: «أنفسنا».

أي أن القرآن جعل نفس علي كنفس النبي في سياق الحجة على أهل الكتاب، وهو من أعظم النصوص الداعمة لولاية علي.

فارتعب الوفد، وقال كبيرهم: «إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل الجبال لأزالها» فامتنعوا عن المباهلة، واختاروا الصلح والجزية.

تاسعًا: حجة الوداع والنزول التمهيدي لآية البلاغ

في السنة العاشرة للهجرة:

  • أعلن النبي عزمه على الحج.
  • اجتمع معه ما يزيد على مئة ألف حاج.
  • علّم الناس المناسك قولًا وفعلاً.

ألقى في عرفة خطبة جامعة، أكد فيها:

  • حرمة الدماء والأموال والأعراض.
  • التمسك بالقرآن.
  • حقوق النساء.
  • أصول الأخلاق والعدل الاجتماعي.

بعد اكتمال مناسك الحج وعودة القوافل، كان الإسلام قد بلغ مرحلة النضج السياسي والاجتماعي، لكن بقيت مهمة كبرى: تبليغ الولاية بصيغة قاطعة لا تحتمل الالتفاف. هنا نصل إلى لحظة مفصلية.

عاشرًا: آية التبليغ (المائدة: 67) وتهديد «فما بلّغت رسالته»

في طريق العودة من الحج، نزلت الآية في موضع يسمى – في الرواية الشيعية – قبل غدير خم بقليل:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾

تفهم المدرسة الشيعية هذه الآية على النحو الآتي:

  • أن هناك مضمونًا خطيرًا يجب تبليغه.
  • أن النبي كان يعلم حساسية هذا التبليغ، وخشي من ردود فعل بعض الصحابة والقبائل.
  • أن الله شدّد: إن لم تبلغ هذا الأمر فكأنك لم تؤد الرسالة كلها.
  • أن وعد العصمة من الناس كان تطمينًا إلهيًا له حين يُعلن هذا الأمر.

الروايات الشيعية – كالتي في الاحتجاج للطبرسي والبرهان – تربط نزول هذه الآية مباشرة بموضوع ولاية علي، وتعتبرها مقدمة لغدير خم.

حادي عشر: غدير خم – إعلان الولاية بصراحة

وصل النبي إلى منطقة غدير خم، وهي مفترق طرق تتفرق فيه الحجاج إلى بلدانهم.

هنا أمر:

  • بردّ من تقدّم.
  • وانتظار من تأخر.
  • ونصب له منبر من أحداج الإبل.
  • في حرّ شديد، حتى لفّ الناس رؤوسهم بالثياب من حرارة الشمس.

خطبة الغدير

خطب النبي خطبة طويلة، من أهم محاورها:

  • الثناء على الله.
  • الإقرار بقرب وفاته.
  • تذكير الأمة بكتاب الله وعترته.
  • الإعلان عن ولاية علي.

ثم أخذ بيد علي ورفعها حتى بان بياض إبطيهما، وقال:

«أيها الناس، من أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟»

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: «ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله.

قال:

«من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار».

ثم أمر الناس بالبيعة لعلي مهنئين، فجاء عمر وقال:

«بخٍ بخٍ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة».

ترى المدرسة الشيعية أن غدير خم:

  • إعلان سياسي–شرعي واضح لإمامة علي.
  • وأن آية: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ نزلت بعد هذا الإعلان مباشرة، إيذانًا بكمال الدين بولاية علي.

ثاني عشر: المرض، رزية الخميس ومحاولة كتابة العهد

1. بدايات المرض

  • اشتكى من صداع وحمّى.
  • كان ينتقل بين بيوت زوجاته.
  • طلب في أيامه الأخيرة أن يُمرّض في بيت عائشة.
  • كان علي ملازمًا له في أغلب الأوقات، يساعده ويستمع وصاياه.

2. رزية الخميس

في يوم الخميس قبل الوفاة بأيام، قال النبي:

«ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا».

هنا وقع الخلاف:

  • بعض الصحابة رأوا أن ذلك يثبّت ولاية علي كتابة.
  • عمر – بحسب نصوص البخاري وغيرِه – قال: «إن النبي قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله».
  • علا اللغط في المجلس حتى غضب النبي وقال:

«قوموا عني، لا ينبغي عند نبي تنازع».

في القراءة الشيعية:

  • هذه اللحظة تُعتبر أخطر لحظة التفاف على الوصية النبوية.
  • أراد النبي نصًّا مكتوبًا يغلق باب التأويل في مسألة الخلافة.
  • مُنِع هذا النص من أن يُكتب، ففُتح الباب للاجتهادات السياسية.

ثالث عشر: الساعات الأخيرة ودور الإمام علي

تروي روايات الشيعة:

  • أن النبي في ساعاته الأخيرة طلب عليًّا مرارًا، وكان يُسرّ له بأمور لا يسمعها غيره.
  • أنه سلم إليه العلم والسلاح، وهما رمز الإمامة.
  • أنه قال له: «يا علي، أنت تقضي ديني، وتنجز موعدي، وتقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل».

وتروي بعض الروايات أن رأس النبي كان في حجر علي حين فاضت روحه، وأنه هو الذي تلقّى آخر أنفاسه، وهو قول مشهور في تراث الإمامية.

رابع عشر: الوفاة، اجتماع السقيفة وبقاء الجثمان دون دفن

1. الوفاة

توفي النبي في اليوم 28 من صفر – وفق المشهور في مدرسة أهل البيت – أو في 12 ربيع الأول عند جمهور أهل السنة.

انتشر الخبر في المدينة:

  • أصيب الناس بالذهول.
  • لم يُجهَّز الجثمان مباشرة، بل شُغل كثير من الصحابة بموضوع الخلافة.

2. السقيفة ونقض بيعة الغدير

اجتمع:

  • بعض الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليختاروا خليفة منهم.
  • لحق بهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وغيرهم.

جرى جدال طويل بين المهاجرين والأنصار في أحقية الخلافة، واستُبعد علي وبنو هاشم عن هذا الاجتماع، وهم مشغولون بالنبي وتجهيزه.

في القراءة الشيعية:

  • يُعدّ ذهاب هؤلاء إلى السقيفة نقضًا عمليًا لبيعة الغدير.
  • وأن الخلافة حُسمت هناك بعيدًا عن النصّ النبوي.
  • وأن عليًّا كان يرى نفسه المعيَّن بنص الغدير ويعتبر السقيفة انقلابًا سياسيًا.

3. بقاء الجسد الطاهر بلا دفن

في هذه الأثناء:

  • كان علي وبنو هاشم وقلة من الصحابة الصادقين كـسلمان وأبي ذر والمقداد مشغولين بتجهيز النبي.
  • بينما كانت الأصوات في السقيفة ترتفع حول: «منا الأمير ومنكم الوزير» ونحوها.

يروي الشيخ المفيد وغيره أن:

  • النبي دُفن ليلًا.
  • وأن عليًّا هو الذي غسله وكفّنه ودفنه في موضع فراشه في الحجرة.

وأنه قال عند دفنه:

«بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك…».

ويقول المفيد: لولا علي ما دُفن رسول الله في تلك الساعات، لأن مركز اهتمام كبار القوم كان قد انتقل إلى السلطة.

خامس عشر: إغلاق هذا الفصل

بهذا تنتهي السيرة النبوية في المنظور الشيعي الإمامي عند نقطة حرجة:

  • نبيٌّ ختم الله به النبوات.
  • بلّغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده.
  • نصّ على خليفةٍ بعده في غدير خم.
  • مُنِع من كتابة نصّ يُغلق باب الفتنة.
  • التفتت طائفة من الصحابة إلى السقيفة والسلطة.
  • تولّى علي تجهيز النبي ودفنه، بينما مشروعه السياسي–الشرعي المؤسس على الغدير تم تجاوزه.

من هنا نبدأ بسيرة الأمام علي ونكمل الأحداث التي حدثت في تلك الفترة المقال هو:

«الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام بعد وفاة النبي: من الإقصاء السياسي إلى تأسيس مشروع العدل».

وفي هذا الفصل القادم يمكن تناول:

  • السقيفة من زاوية علي.
  • موقف فاطمة الزهراء.
  • حوادث الهجوم على الدار.
  • صبر علي وجمعه للقرآن.
  • قبوله بالخلافة بعد عثمان.
  • الجمل، صفين، النهروان.
  • استشهاده في محراب الكوفة.

المصادر الشيعية المعتمدة

  • الكافي، ثقة الإسلام الكليني.
  • الإرشاد، الشيخ المفيد.
  • إعلام الورى بأعلام الهدى، الفضل بن الحسن الطبرسي.
  • الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي.
  • مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب.
  • بحار الأنوار، العلامة المجلسي (خاصة مجلدات السيرة والفتن).
  • دلائل الإمامة، الطبري الشيعي.
  • كشف الغمة في معرفة الأئمة، الإربلي.
  • الغارات، إبراهيم الثقفي.
  • نهج البلاغة، جمع الشريف الرضي، مع شروح ابن أبي الحديد وغيره.
  • تفسير القمي.
  • تفسير البرهان، السيد هاشم البحراني.
  • تفسير الميزان، السيد محمد حسين الطباطبائي (في موارد آية التطهير، المباهلة، آية التبليغ، آية إكمال الدين).
  • تاريخ اليعقوبي.
  • السيرة النبوية كما في مادة: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، موسوعة ويكي شيعة.

مع أطيب تحياتي مصطفى كامل الشريف – لمن يرغب مشاركة هذا المقال الضغط أدناه

Facebook X (Twitter) WhatsApp
“`