بقلم: م. مصطفى الشريف
التبعيض في الدين من منظور روايات أهل البيت (ع)
ملخص التبعيض في الدين هو اتباع بعض أوامر الله وترك البعض الآخر عمدًا، مع العلم بوجوبها جميعًا. وقد حذّر القرآن والروايات من هذا المسلك وعدّاه من مظاهر اتباع الهوى وضعف الإيمان.
أولًا: تعريف التبعيض في الدين
لغةً: هو الأخذ بجزء وترك جزء آخر.
في السياق الشرعي: اتباع بعض أوامر الدين وترك البعض الآخر عمدًا، مع العلم بأنها كلها واجبة من عند الله.
أي أن الشخص يلتزم بباب من الدين ويُهمل أبوابًا أخرى، أو يختار ما يوافق هواه ويترك ما يشق عليه.
ثانيًا: حرمة التبعيض في الدين في القرآن
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231]
المعنى: لا يجوز أن نأخذ من أوامر الله ما يوافق أهواءنا ونترك ما يخالف رغباتنا؛ لأن الدين كلٌّ لا يتجزأ.
ثالثًا: روايات أهل البيت (ع)
- قال الإمام الصادق (ع): «لا تتخذوا دين الله لعبًا، فإن من اتخذ دين الله لعبًا أقبل على بعضه وأدبر عن بعضه» [الكافي، ج2، ص402].
- وقال أمير المؤمنين (ع): «الدين واحد، فخذوا به كله، ولا تتبعوا أهواءكم فتضلوا عن سبيل الله» [نهج البلاغة، الخطبة 110].
- وفي وصية الإمام الكاظم (ع) لهشام: «يا هشام، لا تكونوا مما يقولون قولًا جميلاً ويخالفون الفعل، فيذمهم الله بقوله: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ» [الكافي، ج2، ص336].
رابعًا: أمثلة على التبعيض والرد الشرعي
- الصلاة دون الصوم: شخص يصلي جميع الصلوات لكنه لا يصوم شهر رمضان مع قدرته.
- الصدق مع ترك الأمانة: يلتزم الصدق في كلامه لكنه يخون في المعاملات.
- أداء العبادات وترك الحقوق الاجتماعية: يحج ويصلي ويصوم، لكنه يظلم جيرانه أو يقطع رحمه.
- أخذ الأحكام الميسّرة وترك الصعبة: تؤدي الزكاة وتصلي وتصوم، لكنها لا ترتدي الحجاب الشرعي لأنها «غير مقتنعة».
الرد الشرعي على هذا الفعل
من القرآن الكريم:
- أمر الله بالحجاب صريح في قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] — أي تغطية الرأس والنحر والجيب.
- التحذير من انتقاء الأوامر: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85].
من روايات أهل البيت (ع):
- الإمام الصادق (ع): «لا تتخذوا دين الله لعبًا…» [الكافي، ج2، ص402].
- أمير المؤمنين (ع): «الدين واحد…» [نهج البلاغة، الخطبة 110].
- وصية الإمام الكاظم (ع) لهشام: «… كَبُرَ مَقْتًا …» [الكافي، ج2، ص336].
خامسًا: بيان الحكم
- ترك الحجاب مع الإقرار بوجوبه كسلًا أو هوىً: معصية كبيرة وفسق، وهو من التبعيض المذموم.
- ترك الحجاب مع إنكار وجوبه: خطر عظيم على الإيمان الحق لإنكاره أمرًا قطعيًا ثابتًا.
- الترك بسبب الجهل أو النسيان: لا يأخذ حكم العمد، لكن يجب التعلم والعمل بجميع الواجبات.
سادسًا: مدى الحرمة
- التبعيض عمدًا مع إنكار وجوب ما تُرك → جحود وإنكار لأمر الله.
- التبعيض عمدًا مع الإقرار بالوجوب وتركه هوىً → فسق ومعصية كبيرة وصاحبه تحت الوعيد.
- التبعيض للجهل أو النسيان → يُعذر بقدر الجهل، ويجب التعلم والالتزام.
سابعًا: الخلاصة
التبعيض في الدين عند أهل البيت (ع) من علامات ضعف الإيمان واتباع الهوى، وهو طريق انحراف تدريجي. الدين وحدة متكاملة لا تُؤخذ بالتجزئة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208]
ثامنًا: المصادر
- الكافي، للشيخ الكليني، ج2، باب «البدع والرأي والمقاييس».
- نهج البلاغة، خطبة 110.
- تفسير الميزان، السيد الطباطبائي، تفسير آية البقرة 85.
- بحار الأنوار، ج69، باب «لزوم اتباع الشريعة كاملة».


