مقدمة:
تمثل العقيدة الركيزة الأساس التي يقوم عليها البناء الديني والفكري لأي مذهب أو مدرسة إسلامية، فهي الإطار الذي تتبلور من خلاله رؤية الإنسان لله والكون والحياة، وتُحدد بها معالم الإيمان، وتُرسم بها حدود الانتماء واليقين. وفي هذا السياق، تبرز “أصول الدين” عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية كمبادئ عقائدية مركزية لا غنى عنها لكل من أراد أن يُنسب إلى هذا المذهب الشريف، وهي ليست مجرد تعاليم تقليدية تورّث بالتقليد أو تُؤخذ عن الآباء والأجداد، بل هي مسائل يُطلب فيها من المؤمن أن يتبناها عن دليلٍ عقلي أو نقلي قطعي، وعن إيمانٍ واعٍ نابعٍ من اختيار حرّ ويقين راسخ، ولهذا لا يُقبل فيها التقليد، بل يُعتبر التقليد فيها نوعاً من التساهل الذي لا ينسجم مع قدسية التوحيد وسمو العقيدة.
وقد دأب علماء الإمامية على بيان هذه الأصول وتفصيلها، معتبرين أن الإيمان بها شرط أساس في صحة العقيدة، ومفتاح لفهم باقي الفروع والمسائل المرتبطة بالدين. وتتميّز هذه الأصول بخاصية الترابط والتكامل، فهي تشكّل منظومة عقائدية متماسكة تنطلق من أصل التوحيد، وتمرّ بالعدل والنبوة، ثم تختم بالإمامة والمعاد، لتُشكّل في مجموعها هيكل الإيمان الكامل في الفكر الإمامي الاثني عشري.
ولأهمية هذه الأصول في بناء الهوية الدينية والفكرية، ولما لها من دور في تمييز منهج أهل البيت عليهم السلام، جاءت هذه الدراسة لتسليط الضوء على معانيها، وأدلتها، وموقعها في الفكر الشيعي الإمامي، مع الوقوف عند خصوصياتها الفلسفية والكلامية التي تجعلها تُمثل مدرسة مستقلة بذاتها في الفكر الإسلامي العقائدي.
من جهة أخرى، فإن هذه المبادئ العقائدية لم تُصَغ بمعزل عن حركة التاريخ أو واقع التحديات الفكرية في القرون الإسلامية الأولى، بل نضجت وتبلورت في خضم الخلافات الفكرية والصراعات الكلامية التي نشأت بعد وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وخاصة مع اتساع الدولة الإسلامية وظهور الفرق والمذاهب المختلفة. ومع اشتداد الجدل حول الإمامة والعدالة الإلهية وصفات الله تعالى والبعث والمعاد، برزت الحاجة إلى ترسيخ معالم واضحة ومفصلة للعقيدة، فكان أن تشكلت هذه الأصول الخمسة التي صارت علامة فارقة في الهوية الدينية والفكرية للشيعة الإمامية.
وفي ما يلي شرح لأصول الدين الخمسة كما يقرّرها مذهب أهل البيت عليهم السلام:
أولاً: التوحيد
الإيمان بوحدانية الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله، أي:
- لا شريك له في الخلق والتدبير.
- لا شبيه له ولا نظير.
- لا يتجزأ ولا يُرَكَّب، ولا يُرى بالبصر، ولا تدركه الحواس.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ – [الإخلاص: 1-2]
عند الشيعة، يُرفض تشبيه الله بخلقه، كما يُرفض القول بأن الله له جسم أو مكان.
ثانياً: العدل
الإيمان بأن الله عادلٌ لا يظلم أحدًا، وكل أفعاله خير وحكمة، ولا يفعل القبيح، ولا يُجبر العباد على أفعالهم ثم يعذبهم عليها.وهذه النقطة تميز الشيعة عن بعض الفرق التي ترى أن ما يفعله الله فهو “حقّ حتى لو بدا ظاهره ظلمًا، أما الشيعة فيقولون:الله عادل، ولا يفعل القبيح، ولا يكلف الناس فوق طاقتهم، ولا يعذب الأبرياء. ولذلك بَنَت الشيعة العديد من الفروع الكلامية على هذا الأصل، مثل: حرية الإرادة، والاختيار، ورفض الجبر.
ثالثاً: النبوة
الإيمان بأن الله أرسل أنبياء لهداية البشر، واختارهم معصومين مؤيدين بالوحي، وأشرفهم النبي محمد صل الله عليه و أله، وهو خاتم الأنبياء.﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ – [الأحزاب: 40] .
تؤمن الشيعة بأن النبي محمدصل الله عليه و أله معصوم في كل أقواله وأفعاله وتبليغه، وأن الوحي محفوظ.
رابعاً: الإمامة
الإيمان بأن الله تعالى نصّب أئمة بعد النبي صل الله عليه و أله لهداية الأمة، وهم اثنا عشر إمامًا من ذرية علي وفاطمة، أولهم الإمام علي (ع) وآخرهم المهدي المنتظر (عج).
- الإمامة ليست مسألة سياسية فقط، بل منصب إلهي يُعين فيه الإمام من قِبل الله، كما يُعيَّن النبي.
- الأئمة معصومون، يعلمون الشريعة، ويُفسرون القرآن تفسيرًا صحيحًا.
أسماء الأئمة الاثني عشر:
- علي بن أبي طالب (ع)
- الحسن بن علي (ع)
- الحسين بن علي (ع)
- علي بن الحسين زين العابدين (ع)
- محمد الباقر (ع)
- جعفر الصادق (ع)
- موسى الكاظم (ع)
- علي الرضا (ع)
- محمد الجواد (ع)
- علي الهادي (ع)
- الحسن العسكري (ع)
- محمد بن الحسن المهدي (عج)
هذا الأصل يميز الشيعة عن باقي المذاهب الإسلامية.
خامساً: المعاد
الإيمان بيوم القيامة، حيث يُبعث الناس بعد الموت، وتُعرض أعمالهم ويُحاسبون، فيُجازى المؤمن بالجنة ويُعاقب الكافر أو الظالم بالنار.
“قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ”
(سورة يس، الآية 79)
“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ”
(سورة آل عمران، 185)
تؤمن الشيعة بالمعاد الجسماني والروحي معًا، أي أن الروح والجسد يُبعثان معًا.
| أصول الدين | فروع الدين | |
| طبيعتها | عقائدية (إيمان ويقين) | عملية (أحكام وسلوك) |
| مطلوب فيها | الفهم والدليل | يمكن التقليد فيها |
| عددها | 5 | 10 |
مصادر الشيعة في هذه العقائد:
- القرآن الكريم.
- السنة النبوية المروية عن أهل البيت (ع).
- العقل والنقل معًا.
- كتب علم الكلام والعقائد مثل:
- الشيخ المفيد، “أوائل المقالات”.
- الشيخ الصدوق، “الاعتقادات”.
- العلامة الحلي، “نهج الحق وكشف الصدق”.
- الطوسي، “تلخيص الشافي”.
- الطبرسي، “الاحتجاج”.
- القرآن الكريم
- المفيد، أوائل المقالات، دار المفيد.
- الشيخ الصدوق، الاعتقادات في دين الإمامية، مؤسسة النشر الإسلامي.
- الطوسي، تلخيص الشافي.
- العلامة الحلي، نهج الحق وكشف الصدق.
لقراءة المقال باللغة الدنماركية أضغط هنا


