عاشورائيات الجزء 2 -هل الشيعة هم مَن قتل الحسين؟

بقلم سماحة الشيخ حسن عطوان

ثانياً :

إنَّ الكوفة آنذاك كانت شبه فارغة من خلّص أصحاب أمير المؤمنين ؛ لأنّ معاوية لما ألحق زياد بن أبيه بنسبه وولّاه على الكوفة فتعقب كل مَن يدين بالولاء لعليٍّ ، فَمِن سجنٍ وقطعِ عطاء وهدم دور الى تهجير وتشريد الى قتل ولو على الظنّة .

والمتتبع للمصادر التاريخية التي كتبت عن أحداث ما بعد سيطرة معاوية على الكوفة يرى بوضوح أنّه لم يبق في الكوفة من الشيعة المعروفين عدداً يعتدّ به ؛ ليقال انَّ الشيعة هم من قتل الإمام الحسين .

كتب أبن أبي الحديد :

” وقد روي أنَّ أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام أنّه قال لبعض أصحابه :

يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا وما لقى شيعتنا ومحبونا من الناس …

عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلتْ شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة وكان من يذكر بحبنا والإنقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام ” .

وقال أيضاً :

” كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أنْ برئت الذمة ممَن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة مَن بها من شيعة علي عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنّه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل ، وطرفهم وشردهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق الّا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة ” .

وقال أيضاً : ” ثم كتب [ معاوية ] إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا مَن قامت عليه البينة انّه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه ، وشفع ذلك بنسخة أخرى مَن اتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره ، فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة ، حتى إنَّ الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيَمان الغليظة ليكتمن عليه ” .

وقال : ” فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الّا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض ” ( 7 ) .

ثالثاً :

لعل البعض يتوهّم أنَّ كل مَن كاتب الحسين كانوا من الشيعة ، وهذا ليس بصحيح جزماً ؛ فإنَّ الذين أرسلوا الرسائل للإمام ليسوا بالضرورة أنْ يكونوا شيعة بالمعنى الأخص ، بل يكفي أنْ يكونوا ممَن يعرف وضاعة يزيد ، ويحفظ للإمام أنّه سبط الرسول وأنّ صفاته ألْيَق بالخلافة ، وليس بإعتبار أنّه إمام معصوم وأنّه هو الأحق بالخلافة من أي أحد ، وإلّا فإنَّ ممَن كتب للحسين : شبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، وعمرو بن الحجاج ، وأمثالهم ،

ولا يمتّ هؤلاء للتشيع بالمعنى المُشار اليه بصلة .

ومثل هذا ينطبق على الذين بايعوا مسلم بن عقيل .

رابعاً :

إنَّ أصحاب القرار والزعماء الذين أمروا بقتل الحسين ، وقاتلوه ، وساهموا في قتله ، هم : يزيد بن معاوية ، وعبيد الله بن زياد ، وعمر بن سعد ، وشمر بن ذي الجوشن ، وسنان بن أنس ، وقيس بن الأشعث ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، وشبث بن ربعي ، والحصين بن نمير ، وحجار ابن أبجر ، وحرملة بن كاهل ، وأمثالهم .

فهل في هؤلاء مَن هو معروف بتشيعه لأهل البيت ؟؟!

خامساً :

في كلامٍ للإمام الحسين في يوم عاشوراء ، قال :

( ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان إنْ لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون ) ( 8 ) .

فالإمام هنا نسبهم الى آل أبي سفيان ،

وما كان يصح منه هذا الوصف لو كانوا من شيعته ، وشيعة أبيه وأخيه من قبله .

بل لم يجد المتتبعون في كلّ كلمات الإمام الحسين في كربلاء وخُطَبه في القوم واحتجاجاته عليهم أنّه وصفهم بأنّهم كانوا من شيعته أو من الموالين له ولأبيه .

نعم ، نقل الشيخ المفيد عن الإمام الحسين أنّه قال :

( بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد : فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة ، و عبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا ، فمَن أحب منكم الإنصراف فلينصرف غير حرج ، ليس عليه ذمام ) ( 9 ) .

حيث أنَّ الإمام هنا عبّر ب ( شيعتنا ) ولم يقل : ( شيعة آل ابي سفيان ) او ( أهل الكوفة ) .

وجوابه : أنَّ هذه الرواية نقلها الشيخ المفيد مرسلة ، وقد ذكرها الطبري في تاريخه ( 10 ) ، وهو يسبق الشيخ المفيد بمئة سنة تقريباً ، حتى أنّه لم ينقلها عن أبي مخنف ، فهي رواية عامّية لاتصلح لمقاومة ماذكرناه آنفاً وما سنذكره من قرائن .

على أنَّ نفس ناقلي خبر قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة قالا للإمام ( عليه السلام ) :

” ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلّا انصرفت من مكانك هذا ، فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوف أنْ يكونوا عليك ” ( 11 ) .

عظّم الله أجوركم .


( 7 ) شرح نهج البلاغة ، مصدر سابق ، ج 11 ، ص 43 – 46 .

( 8 ) اللهوف في قتلى الطفوف ، مصدر سابق ، ص 71 .

( 9 ) المفيد ، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان ، ( ت : 413 هج ) ، الإرشاد ، ج 2 ، ص 75 ، الناشر : دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت .

( 10 ) الطبري ، محمد بن جرير ، ( ت : 310 هج ) ، تاريخ الأمم والملوك ، ج 4 ، ص 300 ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت .

( 11 ) الإرشاد ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 75 .


( له تتمة )

[ حسن عطوان ]

Translate »