Banner
User Rating: / 4
PoorBest 
زاوية ... قلم حـــُــر - بقلم رئيس التحرير

 

طائرة الميغ 21

قبل الخوض في التفاصيل الكاملة والحقيقة لهروب الطيار العراقي منير روفا بطائرته

 


 

الميج 21 لـ تل أبيب عام 1966أود أن أشير بأن هذا المقال غير موجه الى طائفة أو شخص بعينه.أن الطائفة المسيحية في العراق هم أبناء العراق ومواطنون صالحون وهذا المدعو منير روفا لا يمثل ألا نفسه والدليل على كلامي  هو عودة جميع أخوة زوجته الى العراق بعد أن هربهم الى أيران بعد أكتشافهم لخيانته العراق وسلموا أنفسهم الى السفارة العراقية في طهران أناذاك وعاشوا معززين مكرميين .

وأعدادي لهذا المقال من مجموعة مصادر مجرد سرد تاريخي لحدث مهم مر على بلدنا  لذلك وجب التنويه .

ذكر الدكتور  سمير محمود قديح الباحث في الشئون الأمنية والإستراتيجية أثناء أعداده دراسة كاملة حول الجواسيس العرب من مصر وسوريا و العراق أثناء فترة الخمسينات والستينات [1] وسلط الضوء على الطيار العراقي منير روفا وقبل دخوله في تفاصيل العملية ذكر أن من  الأصوب أن نستعرض أولاً تلك الطائرة اللغز، وقدراتها القتالية والمهارية الخارقة، التي حيرت العقول في أمريكا وإسرائيل، ودول حلف الأطلسي.

فالطائرة المقاتلة – MIG – 21 – حقق بها السوفييت أرقاماً قياسي لم تكن مألوفة من قبل، واعترفت بها المنظمة العالمية للطيران، إذ طار الكولونيل جورجي مرسولوف بطائرة من طراز – E-66 – وحقق بها معجزة عالمية للسرعة في أكتوبر 1959 ، مقدارها 2388 كيلو متراً في الساعة، طوال مسافة 15 الى 25 كيلو متر. وكانت الطائرة مزودة بمحرك توربيني نفاث، من نوع TDR MKR 37F.

وفي 28 أبريل عام 1961 تمكن موسولوف أيضاً أن يصل الى ارتفاع خارق، حطم به الأرقام العالمية، وبلغ 113.892 قدم، أي 34.714 كيلومتر – وهو رقم تعجيزي لم يتحطم أبداً لسنوات طويلةعندما زُوّدت الطائرة بمحرك صاروخي إضافي مساعد. وخلال عرض جوي بمطار "دوموديدوفو"، قامت الطائرة ببيان عملي للإقلاع، وتفجرت مفاجأة صاعقة للعقول العسكرية في الغرب، عندما أقلعت الطائرة بعد مسافة جرى على الممر 150 متراً فقط، في حين أن الطائرتان الأمريكيتان سكاي هوك وفانتوم، تلزمها على التوالي مسافة 1445، 1525 متراً للإقلاع، أما المقاتلة الفرنسية – ميراج 3 – التي كانت تتباهى إسرائيل بامتلاكها، فكانت تحتاج لمسافة 1600 متراً لكي تقلع.

الميغ 21 أثناء الآقلاع


ليست هذه فقط كل ميزات الطائرة السوفييتية، فقد حققت أرقاماً قياسية أخرى مثيرة، اعتمدتها المنظمة العالمية للطيران، كالرقم القياسي للطيران بسرعة 2062 كم / ساعة في دائرة مغلقة طولها 500 كم، بقيادة الآنسة "مارينا سو لو كيافا"، ورقم قياسي آخر للطيران بسرعة 1298 كم/ساعة، في دائرة مغلقة طولها 100 كم حققته الطيارة "لدازا يتسيفا". وبلغت أقصى سرعة مستوية للطائرة 2 ماخ ، وكانت مقدار النصف، في ذلك الوقت، عند السكاي هوك، و 1.4 للفانتوم، و1.5 للميراج.

أما قياسات الطائرة الميج 21، فكانت أبعادها بالإضافة لإمكاناتها المذهلة – نقطة أخرى تضاف الى ميزاتها، ولغز تصنيعها العبقري المحير. إذ كان عرض أجنحتها 7.60 متر، وطول جسمها 16.75، وهو ما لم يتوافر لطائرات الولايات المتحدة العاملة أو طائرات فرنسا.

لكل ذلك. . تحولت الميج 21 السوفييتية الى لغز الألغاز، وتقف طائرات حلف الأطلسي أمام جبروتها عاجزة، مريضة، لا تقو على مجابهتها، أو الالتحام معها في معركة جوية. فالطائرة صممت كطائرة قتال قاذفة واعتراضية، يتمكن طيارها المتمرن من التحليق بها خلال ثلاثون ثانية فقط، واعتراض طائرات العدو والاشتباك معها بعد ارتفاعها مباشرة عن الأرض، وتمتلك قدرة عجيبة على الدوران في سرعة خارقة، وفي أي اتجاه، مما لا يتوفر لأية طائرة أخرى، بالإضافة الى سرعة انقضاضها المذهلة مع دقة الإصابة.

لكل هذه الميزات التي كانت موضوعة بين أيدي الطيارين العرب، وتفتقد اليها إسرائيل، كانت هناك رغبة عارمة، وتصميم أكيد، على تكشّف أسرار الميج 21 عن قرب، فقد رجحت كفة العرب بامتلاكها، واختل ميزان القوى في المنطقة، وتصور حكام إسرائيل أن نهاية دولتهم أصبحت وشيكة، إذا ما أقدم جيرانها على ضربها.

فهل رضيت أمريكا بعجزها أمام التفوق السوفييتي في تكنولوجيا الطيران..؟ وهيمنة العرب بالتالي على الأجواء في الشرق الأوسط. . ؟ بالطبع لا .

مخططات الطائرة 1

مخططات الطائرة 2


فالصراع ما بين الشرق والغرب على الغلبة والتميز والسيطرة، صراع شرس لا يهدأ، وانتصار العرب على إسرائيل بالسلاح السوفييتي، معناه دحر السلاح الأمريكي والغربي، وهذا ما لم تقبله أمريكا.. أبداً.

لذلك.. كان هناك تنسيق مستمر بين الـ C.I.A. والمخابرات الإسرائيلية، لاختطاف إحدى طائرات الميج 21 العربية، للوقوف على خفايا قوتها، ونقاط الضعف فيها، بما يضمن تلافي خطرها، والعمل على تحديث تكنولوجيا الطيران لزيادة الكفاءة، والارتفاع بمستوى الفعالية القتالية الى مراحل متقدمة، تفوق النجاح السوفييتي وأدمغة خبرائه. وأخذت الحرب السرية تشتعل ضراوة وقسوة، خاصة بعد حادث إسقاط طائرة التجسس الأمريكية U.2فوق روسيا، وتزامن كل هذا مع واقعة غريبة حدثت في القاهرة.

كان ذلك في نهاية عام 1961، عندما أعد الجاسوس المصري جان ليون توماس – وهو أرمني الأصل – وأعلن حينها على تجسسه لصالح الموساد، واعترافه أثناء محاكمته أن الإسرائيليون أغروه بمكافأة ضخمة، في حالة تمكنه من تجنيد طيار مصري، يقبل الهرب لإسرائيل بطائرته الميج 21، مقابل مليون دولار. وأن قائد سلاح الجو الإسرائيلي – عيزرا وايزمان – يلح في الحصول على هذه الطائرة التي يرعب بها العرب إسرائيل، وإهدائها سليمة للأمريكان لفحصها. لكنه – أي توماس – فشل في العثور على طيار مصري خائن، في حينها برغم الإغراءات الإسرائيلية التي كانوا يلاحقونه بها باستمرار. لكن هروب عباس حلمي فيما بعد

لقد وضعت في إسرائيل تصورات لعدة طرق مختلفة، اشترك فيها رؤساء أجهزة الاستخبارات والخبراء المعنيون، وبعض ضباط الـ C.I.A، للحصول على الميج 21 المتقدمة، طرحت من بينها فكرة اعتراض طائرة مصرية أو سورية، وإجبارها على الهبوط في إسرائيل، لكن رُفضت الفكرة، لأن إسرائيل لم تمتلك طائرات تماثل الميج 21 قوة، وعرضت آراء توضح أن الطيارين العرب تمرنوا على قيادة الميج بمهارة، تضمن لهم التفوق والغلبة في حالة اعتراض تشكيل جوي إسرائيلي، وبالتالي ستكون الخسارة في الطائرات الإسرائيلية وطياريها، هزيمة ساحقة سيتغنى لها العرب.

وكانت الفكرة الثانية، فكرة غبية، يستحيل تنفيذها على أرض الواقع، وهي السعي لزرع عميل طيار في أحد أسلحة الجو العربية، وبعد مناقشات حامية، رفض الاقتراح أيضاً، فقد كانت نسبة نجاحه لا تتعدى 1%، بالإضافة الى أن الأمر قد يستغرق سنوات طويلة، وهذا ليس من صالحهم.

لم يكن أمامهم إذن إلا اقتراح واحد، أجمعوا عليه بلا استثناء، وهو تجنيد طيار عربي وإغراؤه بمبلغ كبير، للهرب بطائرته الى إسرائيل. كان الأمر يحتمل النجاح بنسبة 25%، لكن المشكلة كانت في عامل الوقت، فالمنطقة العربية كانت في حالة غليان، والحرب قد تقع في أية لحظة فجائية، إذا ما أنهى عبد الناصر حرب اليمن منتصراً، وعادت قواته الى الجبهة أكثر تمرساً، وعطشاً الى الحرب، تساعدها السيطرة الجوية، والتفوق العددي، والروح المعنوية العالية والإحساس بنشوة الجهاد.

من هنا. . اتفق الجميع في إسرائيل من رجال المخابرات العسكرية، والموساد، وخبراء العمليات الحرجة، وضباط الـ C.I.A.، على ضرورة التنسيق المعلوماتي والاستخباراتي، من أجل تحقيق الهدف الحلم.

ولم يكن الأمر سهلاً البتة، إذ واجهت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مشكلة إغراء طيار عربي، نظراً لأن الحكومات العربية توفر لطياريها حياة هادئة، وتمنحهم وأسرهم تسهيلات عديدة في التعليم والعلاج، وتضمن لهم راتباً عالياً يفوق أقرانهم الضباط في الأسلحة الأخرى، فأبعدتهم بذلك عن أية توترات، تتصل بالمعيشة أو بالمستقبل، وأغدقت عليهم رعاية خاصة، ووضعية تحيطها هالة من وقار، سدّت بها كل الحيل أو الثغرات التي يمكن الوصول اليهم من خلالها.

وبالرغم من الصعوبة القصوى التي واجهت أجهزة مخابرات إسرائيل، إلا أن رجالها لم ييأسوا في السعي الى مبتغاهم، لإنجاح التصور الأخير الذي كانت نسبة نجاحه الكبيرة مغرية، إذا ما توافرت عدة أشياء حيوية للغاية، أهمها جمع أكبر قدر من المعلومات، الاجتماعية والسلوكية، عن الطيارين العرب في مصر وسوريا والعراق، واللعب على وتر الأقليات والعقائد.

هكذا نشطت لديهم الفكرة، وشرعوا في البحث عن كل معلومة – ولو كانت تافهة – عن طياري الدول الثلاث، من خلال عملائهم في العواصم العربية، ومن خلال ما تنشره الصحف العربية في صفحات النعي والاجتماعات.

ولأجل هذا ..استحدثت المخابرات الإسرائيلية بشتى أجزتها، وإمكاناتها، أجهزة كمبيوتر جبارة، حوت ملفات عن مئات من الطيارين العرب، حتى أن المسؤولين عن هذه الملفات، أجادوا تصنيفها، بالشكل الذي يتمكنون بواسطته من تحليل هؤلاء الطيارين نفسياً، وأيديولوجياً، واجتماعياً، والتغلغل الى أعماقهم في سهولة، من خلال فريق عمل يضم أبرز أساتذة علم النفس.

وحمى وطيس المعركة.. فتعالوا نقلب معاً ملف الحرب السرية، ونتعرض على غرائب ذلك العالم الغامض، عالم المخابرات والجاسوسية. .!!

من هو منير روفا

هو منير جميل حبيب روفا (1934 - 2000) ، جاسوس إسرائيلي من أصل عراقي تمكن في عام 1966 من الهروب بطائرة ميغ 21 تابعة للقوات الجوية العراقية إلى مطار إسرائيلي في عملية منظمة من قبل الموساد و إشتهرت بعملية 007 ، إعتبر الموساد هذه العملية المخابراتية واحدة من أنجح عمليات الموساد ، تمكنت المخابرات الإسرائيلية ايضا من تهريب جميع افراد عائلة منير روفا من العراق إلى إسرائيل وقام الموساد بإعارة الطائرة المختطفة بصورة مؤقتة لوكالة المخابرات الأمريكية لغرض إجراء التحليلات الفنية والهندسية المتعلقة بنظريات الطيران والخاصة بتصميم الطائرة.

بعد هبوط الطائرة عقد مؤتمر صحفي سمح لمنير روفا بالتحدث لفترة وجيزة تحدث فيها عن دوافعه لخيانة بلده وسلاحه مدعياً بانه كان يعاني من التفرقة الدينية وانه يشعر بان العراق ليس بلده لذلك طلب اللجوء والهجرة إلى الولايات المتحدة. وبعد فترة وجيزة الحقت عائلته به في اسرائيل ولم يسمح له مغادرة الاراضي الاسرائيلية والتوجه إلى اميركا. بل منح الجنسية "الاسرائيلية" وكوفيء بمنحة مالية.

منير روفا كان ضابط طيار مسيحي عراقي برتبة نقيب وجاسوس عمل لصالح "اسرائيل" من مواليد بغداد عام 1934 من عائلة ينحدر اصلها من الموصل قرية تل الكيف ، لأسرة أرثوذوكسية فقيرة ، وكان ترتيبه الثاني ضمن تسعة أبناء لموظف بسيط، عوقب بالطرد من وظيفته في وزارة الزراعة ، والحبس لعدة أشهر بسبب تلقيه الرشاوى. متزوج وله بنت وولد ، اصول عائلته جاءت لاجأة للعراق مع الكثير من العوائل المسيحية التي كانت تقطن جنوب شرق تركيا وجبال شمال غرب ايران بقرار من عصبة الأمم بسبب الاذى الذي عانت منه تلك العوائل اثناء العمليات العسكرية للحرب العالمية الاولى فتم توطينهم في القرى المسيحية المحيطة بالموصل ، ويعتقد بعض المحللين إن هذا الأمر جعله "يعاني من عقد المواطنة ورغبته الجامحة للهجرة لوطن الاستيطان الافتراضي اميركا" .

تجنيده للموساد

تم تجنيده للعمل في الموساد عام 1965 كونه أحد طياري الميغ 21 المتقدمة في ذلك الحين فيما يعرف بالمهمة 007 للتشابه الغريب مع أحد افلام جيمس بوند لاختطاف طائرة قاصفة متطورة .لقد دخلت طائرة الميغ 21 المنطقة على اثر اتفاق دول الاتحاد الثلاثي كل من العراق ومصر وسوريا مع الاتحاد السوفيتي ، فتمخض ذلك دخول طائرة الميغ 21 لاول مرة للمنطقة الشرق الأوسط عام 1965 . وكان من المؤمل ان يكون الاتحاد المزمع اقامته بديلاً عن الجمهورية العربية المتحدة وكان من اهداف قيام الاتحاد الوقوف بوجه "اسرائيل" لاسيما وان قادة الدول الثلاث جميعهم قد اشتركوا بالحرب الفلسطينية الاولى عام 1948 وهم الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس عبد السلام عارف والرئيس امين الحافظ والرؤساء الثلاثة ينتمون إلى الطبقة العسكرية التي احدثت تغيرات كبيرة في بلدانها ولهم معتقداتهم الثورية والوطنية والنزعة الوحدوية التي تنظر اليها "اسرائيل" بعداء يهدد كيانها اذا ما اقيمت تلك الوحدة كما انهم ساندوا حركات التحرر العالمية والعربية ضد الاستعمار والاحتلال بضمنها سياسات الولايات المتحدة ، علاوة على ذلك جميع هذه الانظمة تبنت الفلسفة الاشتراكية بشكل او اخر وهي صيحة العصر الاقتصادية يومذاك الامر الذي تعده الولايات المتحدة والعالم الغربي عامةً امر معادي لسياساتها واقتصادها المبني على الرأسمالية والاقتصاد الحر ، وكانت الدول العربية الثلاث تعتمد في سياساتها وتسليحها بشكل كبير على الاتحاد السوفيتي الذي كان يدعم العرب في الوقت الذي فيه كانت الولايات المتحدة تدعم "اسرائيل" كحلقة من حلقات سباق التسلح بين المعسكرين الشرقي والغربي للسيطرة على مناطق نفوذ في العالم كل على حساب الطرف الاخر.

الخلفيات السياسية وسباق التسلح

جراء سياسة الحرب الباردة وسعي الدول لامتلاك أفضل ما توصلت اليه تكنولوجيا السلاح تنفيذاً لسياسة سباق التسلح بين العالمين الغربي والشرقي ، تم اعتماد ميزانية ضخمة وصلت إلى ستة مليارات دولار لجهاز المخابرات المركزية الأمريكية ، حصل من خلالها على التكنولوجيا المتطورة العالية وتوظيف ما يزيد على 250 ألف موظف وعميل انتشروا في سائر دول العالم وذلك لتحسين فاعلية الجهاز وقوة تأثيره بحيث استطاع اسقاط الحكومات في جواتيمالا والكونغو وقبرص واندونيسيا وايران، والتصفية الجسدية لرؤساء الدول والشخصيات المعارضة للسياسة الاميركية الطامحة للحصول على مراكز نفوذ استراتيجي ، حيث تم اغتيال رئيس الدومينيكان رافائيل تروجيللو أمام قصر الرئاسة بوساطة حقائب دبلوماسية مفخخة ، واغتيال الرئيس الفييتنامي نجودين دييم بذات الوسيلة، ثم اغتيال الرئيس الأمريكي نفسه جون كينيدي بتخطيط مازالت أسراره شبه مكتومة حتى الآن، واغتيال كل من داعية الحقوق المدنية في اميركا مارتن لوثر كنج والمناضل الارجنتيني تشي جيفارا وعشرات محاولات اغتيال الرئيس الكوبي فيدل كاسترو ، علاوة على اللغز المحير لمقتل الرئيس العراقي عبد السلام عارف الذي سقطت الطائرة التي تقله في ضروف غامضة والذي اقنع بصعوبة الاتحاد السوفيتي لتسليح العراق بطائرة الميغ 21 المتطورة والقاصفة انتونوف وعدد من منظومات الدفاع الجوي والانذار المبكر المتقدمة ،واغتيال الطيارين العراقيين المتخصصين بالطائرة المتقدمة ميغ 21 كل من النقيب شاكر محمود يوسف والنقيب محمد غلوب والملازم الاول حامد الضاحي بالتنسيق مع الموساد "الاسرائيلي" .

اضافةً إلى تصفية العلماء المشتغلين في مجال التسليح والتصنيع العسكري والحربي والمفكرين المشتغلين في مجال مناهضة الامبريالية والهيمنة الغربية مثل عالمة الذرة المصرية سميرة موسى عام ،1952 والكاتب المكسيكي المشهور إلما بويل بوينديا.


إستنادا إلى ملفات الموساد فإن الاتحاد السوفيتي بدأ بالتعاقد لتزويد الدول العربية بطائرات الميغ 21 الحديثة إلى منطقة الشرق الأوسط منذ عام 1961 وبحلول عام 1963 عندما تسلم مائير عاميت رئاسة الموساد كانت طائرات الميغ 21 جزئا رئيسيا في قوات سلاح الجو في مصر و سوريا و العراق وكانت عملية تزويد الطائرات إلى تلك الدول محاطة بإجراءات أمنية سوفيتية عالية لغرض عدم تسريب التكنولوجيا فقد إشترط السوفيت ان يشرفوا على الإجراءات الأمنية وكان هناك غموض وفضول كبير في الغرب عن قدرة و فعالية هذه المقاتلات الجديدة وحاول الموساد إختراق هذا الحاجز الأمني الكثيف حول الطائرة الجديدة في العراق و مصر و سوريا ولكن محاولاتها نجحت فقط في العراق  وجزئياَ في مصر.

لماذا طائرة الميغ 21

طائرة الميغ 21 التي طار بها منير روفا في المتحف الجوي الإسرائيلي

تتميز الميج 21 بانها من الطائرات المتقدمة في ذلك الوقت فهي طائرة اسرع من الصوت تعمل بالبانزين الذي اعطاها ميزة السرعة والاقلاع الخفيف في حين وقود الطائرات الاخرى عبارة عن مادة (RT) وهو نوع نظيف من النفط الابيض الكيروسين .وتعد هذه الطائرة من طائرات القتال الجوي لمناورتها العالية وقاصفة ذات احمال خفيفة علاوة على امكاتية اسنادها للقطعات الارضية المشتبكة ، حيث في الطائرات الاعتيادية الاخرى تتخصص طائرة لكل مهمة من هذه المهام . وتتميز ايضاً طائرة المغ 21 عن باقي الطائرات مثيلاتها بسرعة فائقة تقدر بحوالي 2062 كم في الساعة . ويمكنها التحليق في دائرة مغلقة طولها 500 كلم، وبسرعة 1298 كلم في الساعة وفي دائرة مغلقة طولها 100 كلم . وتبلغ السرعة القصوى للطيران المستوي 2375 كم في الساعة ، في حين كانت السرعة بمقدار النصف عند السكاي هوك في ذلك الوقت و1،4 للفانتوم و1،5 للميراج . كما كانت قياسات الطائرة محيرة اذ بلغ عرض اجنحتها 7،60م وطول جسمها 16،75 وهذا ما لم يتوفر للطائرات الأمريكية الفرنسية وتحولت إلى لغز من الألغاز والأهم من ذلك كله ان كل هذه الميزات كانت موضوعة بين ايدي الطيارين العرب وتفتقد اليها "اسرائيل" فكانت الرغبة عارمة لكشف أسرارها عن كثب حيث اصبحت هدفا للسعي الأمريكي "اسرائيل" لاختطاف احداها للوقوف على خفايا قوتها.

أهداف من وراء الكواليس

يعتقد بعض المؤرخون و المحللون السياسيون ان عملية 007 كانت تحمل اهدافا خفية بالإضافة إلى الهدف الرئيس المعلن بكشف تكنلوجيا السلاح الجديد ميغ 21 التي اصبحت جزءا رئيسيا في ترسانة سلاح الجو في مصر و العراق و سوريا حيث يرى البعض ان إسرائيل ارادت ان تحقق سبق او ضربة استخبارية تجني منها ثلاث فوائد هي:

* احباط معنويات الجندي العربي واظهار "اسرائيل" بمظهر العملاق بعد ان كانت سمعتها وقتذاك لاتعدو كونها دويله اشبه بالامارة اسستها بعض المجوعات بدعم دولي .

* كانت تطمح هي واميركا بالتعرف على هذا السلاح المتفوق الجديد لتتمكن من ردعه وهي على ابواب حرب 1967 التي تنوي شنها مباغتة باسلوب الحرب الخاطفة.

* رد اعتبار في الداخل "الاسرائيلي" وخارجياً عربيا وعالميا بعد عدد من الهزائم والاخفاقات الاستخبارية وهي:

* في نهاية العام 1961 ألقت المخابرات المصرية القبض على الجاسوس المصري جان ليون توماس وهو ارمني الأصل واعترف خلال التحقيق ان الموساد جنده للعمل على تجنيد طيار مصري بغية الهروب بطائرة ميج 21 إلى "اسرائيل" مقابل مليون دولار.

* فضيحة عام 1963 عند القاء القبض على عميلين للموساد في سويسرا هددا ابنة عالم الماني يعمل في القاهرة ادت إلى اقالة مدير الموساد هاريل وتولية عاميت الذي استحصل على ميزانية أكبر للموساد لجلب المزيد من معداته وأدواته ومختبرات البحوث الفنية وضم المزيد من الخبراء إلى الجهاز .

* افتضاح امر الجاسوس الاسرائيلي ايلي كوهين عام 1965 في سوريا, بعد ان اصبح عضوا بارزا في الحزب الحاكم ووزير وعضوا في مجلس الشعب, من قبل المخابرات السورية بالتعاون مع رجل المخابرات المصري المعروف رفعت الجمال الملقب برأفت الهجان.

* اعتقال الجاسوسين الأمريكيين فرحان الأتاسي وعبدالمعين حاكمي في سوريا ايضا.

* الكشف عن شبكة تجسس اسرائيلية تديرها بقايا وكالة الهجرة اليهودية في العراق من خلال مدارس الطائفة اليهودية في العراق " خصوصاً مدرستي شماش وفرنك عيني ". ومن ابرز عناصرها الجاسوس اليهودي العراقي عزرا ناجي زلخا وزوجته روان.

* الضربة القاصمة بسقوط الجاسوس وولفجانج لوتز وزوجته في القاهرة .

* كشف الدور "الاسرائيلي" في الاشتراك بقتل ابن بركة في فرنسا.

* افتضاح الدور "الاسرائيلي" بالقيام بعمليات تخريبية، ضد بعض المنشآت الأجنبية في مصر على نحو يجعلها تبدو وكانها من صنع بعض المنظمات المصرية، فيما عرف باسم فضيحة لافون.

رسم الخطة الرئيسة والخطط البديلة

وتلى ذلك وضع الخطط من قبل وكالة المخابرات الأمريكية و الموساد لاختطاف الطائرة والتي كانت اما اعتراض طائرة مصرية أو سورية واجبارها على الهبوط في "اسرائيل" وهذه الخطة فاشلة لان إسرائيل لا تمتلك طائرة تضاهي ميغ 21 سرعة ولا بمقدور الطيران "الاسرائيلي" اعتراض الميغ بسبب مهارة الطيارين العرب مما سيؤدي إلى خسارة الطائرات "الاسرائيلية" وطياريها مما سيؤدي إلى رفع للمعنويات العربية. اما الخطة الثانية هي زرع عميل طيار في إحدى القوات الجوية العربية ، وقد رفض الاقتراح لأن تنفيذه يتطلب فترة طويلة. والخطة الثالثة نصت على تجنيد طيار عربي وإغراؤه بمبلغ كبير للهروب بطائرته إلى "اسرائيل" وكان الأمر يحتمل النجاح بنسبة كبيرة و بدأ العمل الاستخباري لمعرفة أي معلومة ولو كانت بسيطة عن طياري مصر والعراق وسوريا من خلال العملاء في العواصم العربية .

تنفيذ المهمة 007

قام جهاز الموساد برئاسة مائير عاميت بوضع الخطط الكفيلة لتحقيق نصر ينقذ سمعة إسرائيل ويعزز من مكانته كمدير جديد للمخابرات وذلك من خلال تنفيذ للوصول إلى الطيارين العرب وكانوا من العراقيين فتم اختيار اربعة منهم الاول النقيب الطيار شاكر محمود يوسف ، وكان منفتحا ولديه العديد من الصداقات والثاني الملازم أول الطيار حامد الضاحي وكان متدينا ودمث الخلق ولا يحب اقامة العلاقات ، والثالث فهو النقيب الطيار محمد غلوب اما الرابع فكان النقيب الطيار منير روفا وهو الطيار الوحيد المسيحي بينهم وكان المطلوب رقم واحد بسبب سهولة استغلال لعبة العقائد والاقليات في عالم الجاسوسية ولكن لوحظت ملازمته للقاعدة العسكرية حتى في اجازاته.

عام 1965 تلقت الموساد برقية من جون ميكون مدير جهاز وكالة المخابرات الأمريكية ينذر بوصول طيارين عرب من قادة الميج 21 إلى الولايات المتحدة في دورة تدريبية ، وان المطلوب التنسيق من أجل تجنيد أحدهم. واكد تلك التقارير الجاسوس "الاسرائيلي" في العراق عيزرا ناجي زلخا الذي تم تكليفه بمتابعة النقيب الطيار شاكر محمود يوسف الذي تمت مراقبته من قبل العميلة الاميركية اليهودية كروثر هلكر اثناء سفره لاميركا ، ثم لاحقته بعد عودته إلى العراق التي استدرجته إلى احدى شقق الجاسوس عيزرا ناجي زلخا في محاولة لتجنيده وعند مصارحته باغتها بسحب حزام بنطاله وبدأ بضربها بعنف وفي غمرة ثورته دخل عليه الجاسوس عيزرا ناجي زلخا وقتله وغادرت هلكر إلى لندن حيث قامت المخابرات بقتلها لكي لا تنكشف العملية، خاصة ان تلك المرحلة شهدت انكشاف الدور "الاسرائيلي" في الاشتراك بقتل ابن بركة في فرنسا. اما الملازم أول حامد ضاحي الذي كان في السادسة والعشرين من العمر فقد عرض عليه الاقامة والعمل في أمريكا مع المخابرات مقابل مبلغ كبير لكن حامد الضاحي سدد ضربة قاسية إلى الموساد إذ ابلغ امرية بالامر الذين وضعوا خطة بالتنسيق مع الاستخابرات العسكرية العراقية للايقاع بهم وتقرر نقله إلى العراق على وجه السرعة الا ان اجراءات السفر الاميركية اخرته ثلاثة أيام، تمكن الموساد اثنائها من الاجهاز عليه بعد تحديد موعد كاذب له مع أحد زملاءة في احدي الكافتريات مما ادى إلى إنهاء الدورة قبل انقضاء مدتها بشهر واحد وعودة الطيارين إلى العراق. اما اغتيل الطيار الثالث محمد غلوب فقد تم من قبل الموساد بالتعاون مع المخابرات الايرانية السافاك في باريس بعد رميه من القطار.

وجاء دور النقيب الطيار منير روفا الذي تم تجنيده اثناء حضوره احدى الحفلات الفنية الترفيهية في أحد النوادي حيث تعرف على باربرا وهي سيدة انجليزية تبين له لاحقاً بانها زوجة مدير مجموعة شركة النفط العراقية المحدودة الشهيرة بتسمية (IPC) التي تم تأميمها لاحقاً على عهد الرئيس الاسبق أحمد حسن البكر عام 1972 ، والتي كانت رأس حربة وقاعدة للمصالح البريطانية في العراق والمنطقة ووكراً للجاسوسية " وللمزيد من المعلومات راجع محاكمة الجواسيس عام 1969 ".

وكانت السياسة البريطانية في تلك الفترة تطمح لرد اعتبارها على اثر الهزيمة المنكرة في العراق بعد الاطاحة بمصالحها ورجالاتها في ثوره يوليو / تموز 1958 حيث كان العراق ورئيس الوزراء والسياسي المخضرم نوري السعيد باشا يمثل قطب الرحى وعراب هذه السياسة في الشرق الاوسط والمنطقة العربية . فربطت بريطانيا دول المنطقة الموالية لها سياسيا واقتصاديا بحلف سمي حلف السنتو او حلف المعاهدة المركزية او مجازاً حلف بغداد للوقوف امام المد الثوري والتحرري في المنطقة على اثر حركة يوليو / تموز 1952 في مصر وحركة يوليو / تموز 1958 في العراق وحركة سبتمبر/ ايلول 1962 في اليمن ، وكذلك الوقوف امام التوجه الاميركي المتعاضم في المنطقة العربية التي تعتبرها هي وفرنسا تركة لها بعد اتفاقية سايكس بيكو التي منحت الإمارات والولايات العثمانية صفة دولا مستقلة .

تطورت علاقة منير روفا مع باربرا بشكل متسارع لاسقاطات مصلحية لكلا الطرفين فارتبط بها بعلاقة عاطفية عارمة سرعان ما تحولت إلى علاقة غريزية محاولا استغلال موقع زوجها المؤثر لدى السفارة البريطانية لغرض تهريبه إلى إنجلترا او الولايات المتحدة ، وهي تعلقت به لوسامته الشخصية ورشاقته العسكرية ، ثم رأت فيه الاداة لتنفيذ تطلعاتها ومطامح السفارة البريطانية في بغداد. فأخذا يلتقيان تارةً في الكنيسة بذريعة لصلاة وتارة في الموصل المدينة الشمالية البعيدة تلافيا لانظار زوجها من جهة وانظار الاستخبارات العسكرية العراقية من جهة اخرى والمخابرات البريطانية التابعة للسفارة البريطانية وشركة نفط العراق البريطانية من جهة ثالثة .

ومن جانبها كانت تصور علاقتها به للمخابرات البريطانية على انها علاقة عمل الهدف منها تجنيده للعمل مع المخابرات البريطانية او كمصدر للمعلومات عن تسليح العراق وتعبئة قطعاته خصوصاً بعد مشروع الوحدة الثلاثية مع مصر وسوريا عام 1964 على الاخص بعد التطور الخطير على مصالحهم على اثر اتفاق حكومات الدول الثلاثة ، لاتخاذ خطوات من شأنها تفعيل الاجراءات الخاصة بالوحدة بين تلك الدول حيث تم تنفيذ خطة التبادل الاستراتيجي للدفاع المشترك الخاص بأنتشار القطعات العسكرية لتلك الدول على اراضيها ، ففي عام 1965 تم إرسال بعض قطعات المشاة واسراب الطائرات العراقية لمصر وسوريا وتم استقبال قطعات تلك الدول في العراق بضمنها كتيبة من القوات الخاصة المصرية ومجموعة من عناصر جهاز المخابرات المصري العامل ضد "اسرائيل" وكان بضمنهم رجل المخابرات المصري المعروف رفعت الجمال الملقب برأفت الهجان في عهد الرئيس عبد السلام عارف ،للتنسيق والعمل المشترك للوقوف امام دور الجالية اليهودية في دعمها للتجسس ضد العراق لصالح "اسرائيل" من جهة ولبناء اللبنات الاولى لتأسيس جهاز المخابرات العراقي الذي كانت تقوم بمهامه احدى الاقسام التابعة للاستخبارات العسكرية . من جانب اخر ترددت إلى مسمع مدير الشركة علاقة زوجته بالطيار المسيحي الذي وضع هدفا لتجنيده حيث كان تساوره شكوك حول تصرفاتها مما شجعه لتسفيره للتخلص منه . وبعد فترة ابلغت باربرا منير روفا برغبة زوجها مدير شركة النفط لمقابلته الذي التقى زوجها حيث رحب به وشرح له خطة هروبه التي تتضمن مرحلتين :

* الاولى ، بضرورة تقديم اجازة مرضية من سربه في قاعدة الرشيد الجوية قرب بغداد والعمل على نقل افراد عائلته إلى المحافظات الشمالية لتهريبهم إلى ايران التي كان يحكمها الشاه محمد رضا بهلوي صديق بريطانيا حيث كان لشركة نفط العراق فرعا في طهران بأسم شركة نفط إيران ، والتي ستقوم من جانبها بتأمين نقلهم كلاجئين إلى بريطانيا ومن ثم الولايات المتحدة.

* الثانية ، ترحيله من البصرة متخفياً إلى بريطانيا الذي من المفترض ان يلتقي عائلته هناك ثم الانطلاق منها إلى الولايات المتحدة.

وافق منير على الخطة مع بعض التعديلات خصوصاُ التوقيتات لاسباب مهنية تتعلق بعمله العسكري. وتلافي متابعة مديرية الاستخبارات العسكرية له. فطلب اجازة مرضية طويلة متحججاً بمرض زوجته لمرافقتها لزيارةاهلها في الموصل وقد رفضت باديء الامر للشكوك التي كنت تحوم حوله من زملائه وامرية حول تذمره الدائم والانطباع لعدم وطنيته الذي عزز ذلك التقارير نصف السنوية لمديرية الاستخبارات العسكرية عنه وطلب دراسة اما ايقافه عن الخدمة العسكرية واحالته على التقاعد او نقله إلى صنف سلاح اخر بصفة خدمات ارضية ، وبقي الامر قيد المتابعة والمراقبة لعدم وجود ادله على خيانته ، وايد ذلك بعض زملائه بانه كان يمر بضروف اجتماعية صعبة بزوالها ستزول مبررات تذمره . وبدلاً عن السفر إلى الشمال نحو الموصل سافر بالاتجاة المعاكس إلى الجنوب نحو البصرة حيث التقى زوجها مدير شركة النفط للمرة الثانية الذي رحب به واعد لتنفيذ الخطة لتهريبه بجواز مزور بصفة أحد العمال المشتغلين على ظهر احدى البواخر من اسطول ناقلات النفط العائدة للشركة.

وانطلقت الرحلة والمفاجأة كانت بعد ساعات نوم عميقة من جراء المخدر الذي اعطي له . فوجد نفسه في تل ابيب بدلاً عن لندن. وتم التحقيق معه من قبل الموساد الذي وثق له الصور وابلغه بانهم سينشرون هذه الصور مالم يتعاون معهم وان جميع طلباته ستكون مستجابة وعلى رأسها هجرته وافراد اسرته إلى الولايات المتحدة ولكن بطائرة حربية عراقية من النوع الحديث الذي تعاقد عليها العراق مؤخراً. رفض باديءالامر مدعيا عجزه عن تحقيق هذه المهمة مع وجود قوة حوية عراقية صارمة واستخبارات عسكرية دقيقة . الا ان الموساد تعهد بتذليل جميع الصعوبات من خلال العمل على احداث ثغرات تساعد على خرق الدفاعات والاستخبارات العراقية باستغلال أحد ايام العطل الرسمية وجذب انتباه الاستخبارات والقوة الجوية العراقية لحادث ثانوي مفتعل لتمكين منير روفا بالهرب بالطائرة. وفي الجانب الاخر كانت عائلة روفا قد وصلت إلى الموصل لاتعلم شيئا عما يجري سوى ما ابلغها منير بانه في واجب عسكري لمدة شهر وعليهم السفر لزيارة الاهل .

بعد عودته عكف بهدوء لتنفيذ الخطة فبعد أشهر تم نقل افراد عائلته من بغداد إلى الموصل ومنها إلى المناطق الكردية المتاخمة للحدود مع ايران حيث نقلوا بطائرة عمودية إلى داخل إيران ومنها إلى لندن. ظل الطيار منير روفا بعد سفر عائلته إلى لندن في حال عصبية شديدة لكن احدا لم ينتبه إلى هذا التغيير الذي طرأ على هذا الطيار فكانت تتملكه نوبات من الخوف والقلق على مصيره اذا ما افتضح وعلى عائلته . كانت الساعة قد بلغت الثامنة إلا ربعاً صباح يوم 16 اغسطس / اب 1966 عندما اصطف تشكيل من طائرات الميج 21 التابع لسلاح للقوة الجوية العراقية اً للقيام بطلعات تدريبية معتادة وكان ضمن الطاقم التدريبي في هذا اليوم الطيار الجاسوس منير روفا.

يوم الهروب

صعد منير روفا إلى طائرته وصعد طيارو تشكيل الميغ 21 الجاثمة على ارض قاعدة الرشيد في بغداد وكان منير قد عقد العزم على ألا يفوت هذه الفرصة مطلقا ًبينما تأخر هو قليلاً بتشغيل محرك طائرته الاسرع من الصوت شغل باقي افراد التشكيل محركات طائراتهم التي اخذت تزمجر على مدارج القاعدة الجوية ، على غير عادتها وربما بسبب العطلة الرسمية ، كانت القاعدة في ذلك اليوم يشوبها هدوء غريب اشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة ، وأخيراً اقلع منير والتحق خلف التشكيل ، وما لبث ان قام امر التشكيل بالاتصال بمنير ليتحقق من سلامة اجراءات الاقلاع والتوتر الواضح الذي اعتراه منذ الصباح الباكر لهذا اليوم غير العادي ، وعلى حين غرة فاجاْ منير الجميع بابتعاده عن التشكيل وطار بسرعة اعلى بكثير من التشكيل أو حتى السرعة المعتادة في التدريب مدعيا قيامه بمناورة تدريبية ضمن المنهج المقرر ، وبعد تأخرة لدقائق وجه اليه امر التشكيل نداء بالعودة للتشكيل إلا انه لم يرد عليه فحاول اللحاق به الا ان منير كان قد تجاوزه بمسافة كبيرة متخذاً طريقه نحو الحدود الاردنية وبسرعة فائقة متجنباً المرور من فوق مدافع مقاومة الطائرات ، وعند اختراقه للحدود الاردنية قامت طائرتان من طراز هنتر أردنيتان ذات السرعة الاقل من الصوت ، باعتراضه إلا انه افلت منهما نظراً لفارق السرعة والتقنية واتجه فورا إلى حدود إسرائيل التي دخلها مخترقاً منطقة البحر الميت.. وبمجرد دخول الطائرة الميغ 21 الاجواء "الإسرائيلية" رصدتها ثلاثة ردادات كما دوت صافرات الانذار معلنةً وجود هجوم جوي معادي ، اقلع النقيب الطيار ران وكان معروفاً بأنه متخصص بطيران الالعاب بطائرته الميراج 3 الاقل كفاءة عن الميغ 21 والذي تقدم مرعوبا نحو الطائرة بعلمها العراقي الثلاثي النجوم متصورا هجوما معاديا قد انطلق صوب "اسرائيل" ، بينما قام بأسناده في المطاردة سرب كامل من طائرات الميراج اتخذ بعضها وضع الهجوم في حين تأهبت الاخريات للانسحاب في حالة تطور الامور لما لايحمد عقباه ، كان الجو غائماً متقطعاً مما زاد من هلع الطيارين "الاسرائيليين" وهم يرون لاول مرة بالعين المجردة الميغ ذات الجناح المثلث وهي تزئر مخترقةً الاجواء "الاسرائيلية" مستعرضةً رشاقتها تارةً ومتتخفيةً خلف الغيوم تارةً اخرى وكأنها صاروخ منطلقاً دون توقف نحو مقتله .. ومرت لحظات صمت رهيبه تقطعت فيها الانفاس .. ثم كسر هذا الصمت منير بالانحدار قليلا وخفظ سرعة الميغ 21 ليمكن الطيار "الاسرائيلي" ران من التسلق بسرعة إلى ارتفاع اعلى من ارتفاع الطائرة الميج 21 واخذ ران يعد العدة لوضع طائرته بوضع الاستعداد القتالي لمهاجمة الطائرة متصوراً ان مناورةً ما سيقوم بها الطيار المعادي عندما خفض سرعته . وفي هذه الثواني العصيبة دوى صوت متحشرج وكان قائد القوة الجوية "الإسرائيلي" مردخاي هود عبر جهاز اللاسلكي الخاص بران وطائرات سرب الميراج المتصدية ، يطلب من ران بلهجة حازمة "توقف عن اطلاق النار توقف فوراً" لكي لا يعترض الطائرة الميغ 21 ويصاحبها حتى تهبط.

منير روفا في عمل درامي

في عام 1988 تم اقتباس قصة منير روفا في فيلم سرقة السماء وهو فلم تلفزيوني امريكي ذو ميزانية محدودة من إخراج جون هانكوك وكتابة كرستوفر وود وقام البريطاني بين كروس بتمثيل دور روفا وبمشاركة الممثلة ميرل همنغواي [2] حفيدة الروائي المشهور إرنست همنغواي ويرى بعض النقاد إن الشيئ الحقيقي الوحيد الذي تم إقتباسه في ذلك الفيلم هو هروب منير روفا إلى اسرائيل مع طائرة الميغ 21 وكان بقية الفيلم مليئا بالأخطاء التأريخية و العسكرية فعلى سبيل المثال كانت طائرة الميغ التي تم إستعمالها في الفيلم اقدم بجيلين من الطائرات مقارنة بالميغ المتطور آنذاك التي إستعملها منير روفا والتي كانت طائرة اسرع من الصوت تعمل بالبنزين الذي اعطاها ميزة السرعة والاقلاع الخفيف بينما كانت الطائرة المستعملة في الفيلم عبارة عن الميغ 17 ويرجع هذا إلى ميزانية الفيلم المحدودة [3].

قامت الممثلة ميرل هامنغواي بتجسيد دور باربرا التي كانت في الحقيقة سيدة انجليزية و زوجة مدير مجموعة شركة النفط العراقية التي تم تأميمها لاحقاً ولكنها تظهر في الفيلم على انها مواطنة امريكية . كما يركز الفيلم على اصول روفا المسيحية وهناك نصوص في الفيلم على لسان الممثل بين كروس (منير روفا) بانه تعرض للإضطهاد بسبب كونه مسيحيا في دولة إسلامية . تحاول باربرا إغراء الطيار العراقي المتزوج بتوجيه من الموساد وعندما يكتشف الطيار حققيقتها يكون الوقت متؤخرا جدا للتراجع فهو امام خيارين إما خطف الطائرة إلى إسرائيل او التعرض إلى الشنق من قبل الحكومة العراقية ويظهر الفيلم دور كبيرا لميرل همنغواي في تهريب افراد عائلة منير روفا إلى إسرائيل [4].

الخاتمة


في الخاتمة أود الآشارة الى  مزاعم الإسرائيليين وأكاذيبهم ونشرهم روايات خرافية حول العملية ، حول حادثة هروب الطيار منير روفا، وسنكتشف معاً التخبط الذي جاء بمصادرهم وكتبهم، وهو الدليل الذي ساقوه الينا لنحكم بأنفسنا على هذه التخبطات المغلوطة حول العمليات المخابراتية الأسطورية الخارقة:

زعموا ً في بعض كتبهم أن عملية تجنيد روفا تمت في بغداد بواسطة عميلة أمريكية. عندما أبدى لصديقه يوسف رغبته في الهرب لإسرائيل. وأنه سافر الى روما مع العميلة ومن هناك الى تل أبيب للاتفاق، ثم سافر بعد ذلك الى باريس ليخبرهم بالموعد المقترح للهرب. (!!)

زعموا ً في كتب أخرى أنه جُند في فلوريدا بأمريكا، أثناء دورة تدريبية له هناك. (!!)

زعموا أيضاً أن عائلته تم تهريبها في عدد (2) أتوبيس بواسطة أكراد العراق الذين سهلوا لهم العبور الى إيران. . وهذا مستحيل لأن الهرب عن طريق جبال كردستان بأتوبيس معناه الموت الأكيد لاحتمالات لا حصر لها كالأعطال ونقص الوقود والمؤن والسقوط من المرتفعات الشاهقة، فضلاً عن جهل عائلة روفا بالأصل بنوايا هروبه. (!)

وزعموا في روايات أخرى أن عائلته وأقاربه تمكنوا من الهرب الى إيران يوم هربه ثم طاروا بعد ذلك الى إسرائيل (أي أنهم كانوا على علم بخطة هروبه. (!

قالت المصادر الإسرائيلية أن منير روفا يهودي عراقي، أبدى رغبة في الهرب بطائرته مقابل نصف مليون دولار. (!!)

مصادر أخرى زعمت أنه مسيحي أرثوذوكسي، جندته عميلة أمريكية أرسلت الى بغداد.

ادعت مصادرهم أيضاً أن الملحق العسكري الأمريكي في بغداد، أقنعه بالهرب الى تركيا لأن الطائرة ستأخذها أمريكا. (!!)

قالت مصادر إسرائيلية أيضاً أنه هرب الى تركيا ومنها الى إسرائيل. (!!)

مصادر أخرى قالت أنه هرب الى إسرائيل عن طريق الأردن، وأن الأردنيون اعتقدوا بأنه الميج 21 سورية في إحدى طلعاتها. (!)

وفي روايات أخرى أيضاً ادعوا بأنهم سلموامنير كبسولة تحوي مادة مجهولة تصيب ابنه بأعراض غريبة لا تجد حلاً طبياً في العراق، فتسافر زوجته الى لندن لعلاج ابنها وبصحبتها الطفل الآخر، ثم تطير للحاق بزوجها في إسرائيل. وهذه رواية هزلية تفضح سذاجة الدعاية وتهويلها للموقف . (!!)

زعموا بأن روفا كان مستاء من سياسة حكومته ضد الأكراد. وإجباره على ضربهم بالصواريخ والمواد الحارقة للتنكيل بهم، وهو لذلك قد كره العيش بالعراق. (!!)

في مصادر إسرائيلية أخرى ادعوا بأنه كمسيحي كان يحرم من الترقيات كزملائه المسلمين، وتزود طائرته بكمية من الوقود أقل منهم شكاً في ولائه. . (!!) والكذب المقصود الهدف واضح جداً في هذا الادعاء، لأن روفا كان يعامل معاملة طبيعية بعيدة عن التزمت العقائدي والمذهبي، بدليل سفره الى الاتحاد السوفييتي وأمريكا، كزملائه المسلمين، لحصوله على دورات تدريبية لزيادة الكفاءة تؤهله للترقي. والواقع أن كمية الوقود التي كانت تزوجه بها الطائرات في العراق، كان قد تم تحديدها لكل طيار – حسب درجته وإجادته – ولم تكن تمنح عبثاً، ليلهو الطيارين بالجو وقد بهرتهم الطائرة الحديثة الجبارة، التي لم يروا إمكاناتها وسرعتها الخارقة من قبل. هذه القيود كان يعمل بها حتى داخل الاتحاد السوفييتي نفسه، وتتبعه دولاً عديدة في العالم الثالث استحدثت طائرات سلاحها الجوي بالديون والقروض والفوائد.

وإنني أرى من خلال دراستي الى عشرات المصادر التي ذكرت هذه الرواية بأشكال مختلفة . . أن منير روفا قد تم تجنيده من خلال نقطة ضعفه، جنونه الجنسي، بدفع عميلتهم المدربة الحسناء لاصطياده، وتلبية رغباته الجامحة. واستطاعت العميلة إخضاعه والسيطرة عليه بدعوى الحب والارتباط والعاطفة، وكانت رغبة الإثراء عنده أقل حدة من الجنس، ذلك أن حكومته قد منحته راتباً سخياً، ومركزاً اجتماعياً يحسد عليه، ومن فائض مرتبه كان ينفق على بيته، ووالديه، وأخوته، ونزواته، بما يعطي مؤشر الطمع في المال الترتيب الأدنى. هذا وأنصح كل من يقرأ كتب الجاسوسية التي تروجها إسرائيل، ألا ينخدع فيما تزعمه هذه الكتب، وما تتضمنه من أحداث ووقائع، ذلك لأن أغلبها أكاذيب وتضليل وسراب.

ولكي أدلل على أكاذيب الموساد، التي سردت قصة الطائرة الميغ 21 بأكثر من رواية، أشير الى بعض الكتب الإسرائيلية التي نشرت، وترجمت الى العربية، وجاءت بها القصة بأشكال مختلفة لا رابط بينهما، ابتدعها خيال الدعاية المريض:

كتاب: "الحروب السرية للاستخبارات الإسرائيلية" ص 181:184
كتاب: "الموساد" ص 217:219
كتاب: "جواسيس جدعون . . التاريخ السري للموساد" ص 52:57
كتاب: "أمراء الموساد" ص 115:117

وعشرات الكتب الأخرى، كتبها ضباط سابقين في الموساد، مهمتهم الترويج لعمليات الموساد وتضخيمها، لأسباب كلنا نعرفها، ونعرف مغزاها القذر. فإن هذه الكتب التي تصدر عن قصد، يجب أن تمنحنا فرصة التدريب العقلي.. لفحص ضلالات الكذب، ومعرفة حدود الحقيقة في الخيال، وذلك بقياس الأدلة المعلنة بالوقائع المعروفة.

ودمتم بخير ..

المصادر

سمير محمود قديح[1]

دراسة كاملة حول الجواسيس العرب من مصر وسوريا و العراق أثناء فترة الخمسينات والستينات

الجاسوس الخائن ، تأليف: فريد الفلوجي [5]

حروب الاستخبارات ، تأليف: توماس باورز [6]

الموساد في العراق ودول الجوار ، تأليف: شلومو نكديمون

مقابلة الكاتب د.جلال النعيمي مع فرج بطرس قريب منير روفا ورئيس جمعية الطيران العراقية في وقت اختطاف الطائرة.

مقابلة مع بعض طياري القوة الجوية العراقية

التجمعات البشرية في العراق .. تأليف الفريق طه الهاشمي 1936

موقع كتب امازون [7]

المكتبة المرئية اليهودية [8]

محاضرات في تاريخ الجاسوسية الإسرائيلية [9]

مقالة في صحيفة الغارديان [10]

موسوعة ويكبيديا العالمية

المهندس مصطفى الشريف