Banner
User Rating: / 1
PoorBest 
مقالات - أسلاميات

الحوادث الكبرى الشرعية والسياسية  التي طرأت على الأمّة قبل تدوين تاريخها ،

 

 

 

 ابتداءً من السقيفة وإلى نهاية القرن الثاني من الهجرة كان لها أكبر الأثر في رسم صورة الإسلام المذهبي ، وهو الذي أشار أليه رسول الله {ص} " تنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا فرقة واحدة " وطبيعي كل فرقة تدعّي إنها الفرقة الناجية ، وتأكيد النبي {ص} على الفرق إنهم في النار دليل على إنهم منحرفون بعيدون عن التشريع الحق ... من هنا جاء تشويه معالم التاريخ إلا سلامي ، والتاريخ يذكر إن السبب كان له مقدمات بدأت من بيعة الغدير حين تم تأسيس حزب قريش الذي قرر أبعاد أهل البيت {ع} عن الحياة السياسية والشرعية ... ثم جاءت الممارسات التنفيذية في العهدين الأموي والعباسي بتوجيه حوادث التاريخ الإسلامي بما يخدم سياستها ويعزّز من وجودها .... المرحلة الأولى.....

1-   ابتدأت ممارسات التنفيذ أولا بعقوبات جماعية لأتباع آل البيت {ع} وإقصائهم عن الحياة السياسية والشرعية ، والثانية اخطر من الأولى , لان الناس صاروا يرون جهات غير أهل البيت يفتون بكتاب الله وبسنة نبيه {ص} هذا في زمن الراشدين " كمثال على ذلك " حين كتب أمير المؤمنين كتاب الله أثناء جلوسه في بيته ، يقول: اليت أن لا اخرج من داري حتى اكتب كتاب الله تعالى" فحملته إليهم ولكنهم رفضوه ..!!! قالوا: لسنا بحاجة لكتابك..!!  ثم جاءت المرحلة التركيزية في الإقصاء حين تم توظيف ( كعب الأحبار) في منصب مفتي الدولة الإسلامية وهو رجل دين يهودي  اسلم زمن عمر بن الخطاب ثم عينًّهُ عمر في منصب الإفتاء ..!! في وقت كان علي بن أبي طالب مدينة علم رسول الله{ص} يشتغل فلاحا.. وهذه الخسارة العلمية أثرت كثيرا على مستوى الفكر الإسلامي ....

2-    اعتمدت الخلافة الراشدية  لجم الأفواه عن قول الحق ومنعت كتابة الحديث ، وقد نقل لنا التاريخ حديثا عن عبد الله بن عمر انه أوصل ذلك الأمر إلى النبي {ص} في حياته واخبره بالموضوع ، فقال : اكتبوا والله لا يخرج من هنا إلا الحق وأشار لفمه... إذن كيف كان الأمر بعد وفاته..؟؟ ،

3-   حاولت السلطة الراشدية أيجاد بدائل لتفسير القران وجمعه  وسخّرت جملة ممّن يوالون ذلك الخط  لأن يضعوا لهم  تفسيراً يتلاءم مع رغبة الخليفة  وتبريراً يستر فضائحها علي حساب المفاهيم الإسلامية سواء كان ذلك على مستوى رواية الحديث في تمجيد من يشاء الحاكم أو ذمّ من يريد، فأطلقوا تسميات على شخصيات إجرامية وبرروا أفعالهم بنوع من المقبولية عند الله ... مثل قتل مالك بن النويرة واعتبار قاتله سيف الله المسلول  أو على مستوى صياغة الحدث التاريخي أو روايته بما يناسب توجه السلطة وطموحها ، الأمر الذي أدّى بطبيعته إلى وقوف السلطة إلى جانب الفكر المساعد لها في تسيير الحركة الفكرية بالبدائل

فظهر في  تاريخ أمّتنا السياسي والثقافي انحراف واستقامة وخطاْ وصواب ، ولهذا علقت بمسيرته خرافات وأساطير ، وشوائب كثيرة ، وألوان دخيلة حتى وصل ألينا تاريخا مشوها بعيدا عن أصل التشريع ... وهذا ما أكد عليه النبي{ص} وهو وجوب الاحتراز من كتب التاريخ لأنّها أسهمت بشكل مباشر في تزوير وتشويش العقيدة .

ولا يعني هذا الحكم ببطلان مصادر التاريخ الإسلامي كلّها ، بل على العكس ؛ هناك حقائق كثيرة عند الشيعة والسنة لم تطلها يد التحريف والتزوير ، ولكن نشم رائحة التقديس واضحة في صفحات التاريخ لشخصيات لم يستحوا تلك الهالة  .. مثلا بعض القصص عن شخصيات تتصف بالشجاعة والقوة والثبات .. وحين تبحث عن تاريخه الحقيقي تجده يهرب اثناء المعارك ولم يقتل رجلا طيلة حياته ....ولكن الهالة القدسية تحيطه بحيث يعتبر كشف حقيقته نوعا من الخروج من الاسلام ..هذه المقدمات جاءت من الدولة الأموية التي رسخ مفاهيم هذا الأمر معاوية حين كتب كتابا ان يكتبوا في فضائل الصحابة " لان ذلك اقرح لقلوب أصحاب أبي تراب  ...في الوقت الذي يستوجب للباحث عن الحق أن يبحث عن أية  فكرة على أساس تاريخي واقعي يستدعي قبل كلّ شيء التخلي عن الهالة القدسية التي أحيطت بالتاريخ بكل ما فيه من انحرافات وأخطاء وتعريته عمّا علق به

 وإلا ستكون نصوصه المعتمدة مشوهة في مرحلة سابقة لنتائجه. فالمطلوب إذن هو القراءة الواعية للتحولات السياسية والفكرية التي طرأت في تاريخ امّتنا ، وكيف كان أثرها على المجتمع أن يقول البعض إن الأكل من ذبيحة اليهودي أفضل من أكل ذبيحة الطائفة الفلانية ، ووجهت أليهم عشرات التهم بعقيدتهم  ، زيارة القبور ، التوسل ، السجود على التراب ....

أثر الكلام و الفلسفة في نشأة المذاهب

  المرحلة الثانية هو الكلام : ومعناه إثبات العقائد الدينية عن طريق الحجج و البراهين ، و العقلية و النقلية  وهو عند المسلمين من حيث النسبة إلى مصدره يمكن تقسيمه إلى الأقسام الآتية :

     1 ـ كلام يدور في حدود المعارف القرآنية : يعني تحديد الأحكام وفق رؤية المفسر للنص القرآني....ولا نزاع في هذا إن رائده و أميره هو الإمام عليّ {ع} وهذه خطبه المحفوظة في التوحيد والصفات والنبوّة والمعاد والإمامة...الخ.

     2 ـ كلام ينطلق من العقلية المتأثّرة : سلباً أو إيجاباً بسياسة الحاكم.. من أمثلته؛ الكلام في الجبر والتفويض هذا الرأي الذي برز في ظلال نظام الغَلَبة حين تسلط معاوية على الأمة..ثم ظهر رأي في التفويض المناقض له ، و مثله الكلام في الإرجاء و والتكفير ، هذا برر الأخطاء للخلفاء  وجعل الأمة ميتة لا دخل لها في الحوادث .. تقول النظرية إنّ مرتكب الكبيرة ، لا هو مؤمن ، و لا هو كافر المارقة ، و إنّما هو في منزلة بين المنزلتين.هذه المقولة كانت سبباً ً في ولادة فرقة جديدة عُرفت بـ :     المعتزلة :  و ذلك أنّ أوّل من قال بهذه المقولة ، و هو واصل بن عطاء ، ثمّ تابعه عمرو بن عبيد ، إذ كانا في مجلس الحسن البصري ، فكلّماه في قولهما هذا ، فأمرهما باعتزال حلقة درسه فاعتزلا عند اُسطوانة في المسجد و انضمّ إليهما جماعة فسمُّوا المعتزلة .. فكانت هذه نواة  فرقة « المعتزلة »..

     وتطور نقاش علما الكلام إلى قضية « العدل الإلهي » و أكثروا الكلام فيه حتّى لُقِّبوا بـ « العدلية ».. و كان العدل الإلهي عندهم يدور حول {صدق الوعد و الوعيد} ، فاللّه تعالى عادل لا يعذّب المحسن و لا يكافئ المسيء ، و لا يخلف و عده في ثواب أو عقاب ولا في  قبول التوبة ، يقابلها  لا عفو بلا توبة لأن ذلك إخلاف للوعيد ، وبذلك  نفوا الشفاعة.  في خضمّ هذا النزاع الدائر بين الجبريّة و المفوّضة اختار المعتزلة القول بالتفويض و جعلوه من أهم أركان العدل الإلهي ، فسمّوا لأجله بالقَدرية. ...هذه الدائرة الواسعة من الكلام ، و التي شكّلت أركاناً أساسية في عقيدة المسلمين وظهر فيهم معتزلة وعدلية وهو مما يميل له الشيعة الاثنا عشرية ، لأنهم يميلون لقول أئمتهم " انه أمر بين أمرين" وكان أساس هذا الصراع الكلامي ومصدره هو الصراع الفكري ـ السياسي) الدائر ذلك الوقت.

 هذه الصراعات الفكرية الكلامية لم تكن في يوم ما امتداداً لأولئك النفر الذين اعتزلوا الصراع أيّام عثمان و أيام الإمام عليّ عليه السلام كسعد بن أبي وقّاص و عبد الله بن عمر ، بل الذي تفيده هذه المبادئ ه أنّ الاعتزال كان موقفاً فكريا  معارضاّ لجماعة الحكم و مدرسته الثقافية ،واعني الذين تبعوا النظرية الأموية  في الجبر والتفويض ... و هذا هو السرّ في رواج هذا اللقب عليهم ، و لم يكن مصدره تجنّب الدخول في النزاع! لم يكن هذا من مواقفهم أبداً ، يؤكّد ذلك نضالهم الفكري العنيد ضد الجبر والتفويض اللذين تدعمهما مدرسة السلطة ، واعتبر كل طرف إن رأيه هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ..

 إذن كان مصدر تسميتهم بالمعتزلة هو خصومهم بلا شك ، سواء الحسن البصري ، أو غيره ، وحين يحملها أبناء الفرقة يدافعون عنها ويفسرونها بأنّها اعتزال الباطل و أهله ، ...

     الإشاعرة :

بعد أن  ضعف دور المعتزلة قوي  دور أصحاب الحديث وأبرزهم  في مدرسة البصرة أبو الحسن الأشعري بمذهب يعارض فيه المعتزلة و ينتصر لأصحاب الحديث. و الأشعري  كان أوّل أمره معتزلياّ ، تلميذاً لشيخ المعتزلة في عصره أبي على الجُبّائي ، ثم أعلن توبته عن رأي المعتزلة في القدر و قال بقول الجبرية إلا أنّه أدخل عليه مفهوم الكسب ، ليكون الإنسان مسؤولاً عن فعله بالكسب.. كما ردً على المعتزلة عقيدتهم في الصفات و تبنّى قول أحمد بن حنبل بأتباع الظاهر بدون تأويل..لكنّه تراجع بعد ذلك إلى التأويل ، إلا الاعتقاد برؤية اللّه تعالى في الآخرة. وخالف المعتزلة في منزلة العقل و دوره في الشرع ، و خالفهم في مسألة الحُسن القُبح العقليين ، فجعل الحَسَن ما حسّنه الشارع و القبيح ما قبّحه الشارع و ليس للعقل دور في معرفة ذلك ...

     الماتريدية :... هذه الفرقة تنسب إلى مؤسّسها أبي منصور الما تريدي الذي توّفي سنة 333 هـ و كان معاصراً للأشعري ، غير أنّه كان يسكن بعيد عنه في  ولاية سمرقند ، درس آراء وفقه أبي حنيفة ورسائله في الكلام و قد قرّر بعض العلماء أنّ آراء أبي حنيفة في العقائد هي الأصل الذي تفرّعت منه آراء الماتريدي.. و لما كان أبو حنيفة يمنح العقل دوراً كبيراً في الفقه و المعرفة ، خلافاً لأصحاب الحديث ، فقد ظهرت آثار ذلك في المذهب الما تريدي و ميّزته كثيراً عن المذهب الأشعري..  إذن علم الكلام له اثر في رسم الأفكار الإسلامية إضافة إلى الظروف السياسية وأفكار الحاكم التي يتبناها ذلك الوقت .. وقد لمح الإمام أمير المؤمنين{ع} إلى خطورة هذه المسالة حين عُرض عليه أن يمد  يده ليبايعونه على كتاب الله وسنة نبيه وطريقة الشيخين ، فقال بل أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد رأيي... لذلك رفضوه ......

جذور التسميةُ وأسبابها :

كيف وقع الاختيار على تلك المسمّيات التي عُرفت بها الفِرق الإسلامية ؟ هذا جعفري وذاك حنبلي وهذا شافعي .. ووهابي ..الخ .... المعروف  أنّ الاسم لم يولد مع الفرقة ، وإنّما يُطلق عليها بعد ولادتها وتبني مجموعة من الناس نفس الفكرة والاتجاه ، فيطلق عليهم اسم صاحب الفكرة ... ليس كل زعيم فرقة هو الذي يتولّى تسمية فرقته ؟ ولذلك البعض يتقزز إذا قلت له أنت وهابي أو من الخوارج أو المعتزلة .. صحيح الفقهاء والمفكرون يعتقدون أنّهم أولى الناس بالحقّ لأنّهم دون غيرهم تمسكاً بهدى القرآن والسنّة ـ ثمّ ينتخبون لأنفسهم اسماً مثل : « المعطّلة » أو « المعتزلة » أو « الخوارج » ! وهناك أسماء لا توحي للعلم ولا لشخص  من مثل : « الخشبية » أو « الشيطانيّة » ؟!

 الأسماء عادة لا تصدر عن أصحاب هذه الفرقة ، ولا عن جهة محايدة إنما تصدر عن خصم ..والمشكلة في ذلك الخصم إذا أذاع بياناً ذاع وانتشر ، وإذا أطلق على طائفة اسماً نفذ واشتهر ، حتى تستجيب له تلك الفرقة نفسها وترتضيه عَلَماً عليها ؟! صحيح أنّه تأتي التسمية نسبةً إلى الرجل الذي تنتسب إليه الطائفة ، فقيل : « الزبدية » ، نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين   والإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق{ع} والحنابلة نسبة إلى احمد بن حنبل  وهكذا ..

أو أن تأخذ اسما من حادثة مهمة  فتُشتق التسمية من تلك المناسبة ، فقيل : « الخوارج » لأنّهم خرجوا على الإمام الواجب الطاعة ، و « الرافضة » لأنّهم رفضوا زيد بن عليّ ، و « الخشبية » لأنّهم قاتَلوا بالخشب ، أو طافوا حول الخشبة التي صُلب عليها زيد ..غير أنّه في الحالين لم يخرج الأمر عن القاعدة الواقعية ،إن التسميات صدرت من خارج الطائفة لا من أصحابها ،  

وهذه أمثلة من الواقع شاهدة على تلك الحقيقة :

١ ـ في أثناء ثورة زيد الشهيد جاءته طائفة من جُنده فطلبوا إليه أن يبرأ من الخليفتين أبي بكر وعمر ، فرفض ذلك ، فرجع أولئك عنه ورفضوا القتال معه.ففي هذه الواقعة لو صحت  رفضان : زيد يرفض رأي أصحابه ، وأولئك رفضوا قيادة زيد .. فزيدا{رض} هو الذي ابتدأ بالرفض .إذن كان بمقدورهم أن يطلقوا عليه وأتباعه اسم ( الرافضة ) ! لكنّ الذي حصل هو العكس ، فزيداً وأتباعه هم الذين أطلقوا على أولئك الاسم ليثبت عليهم ! والسبب في ذلك ، وهو أنّ زيداً وأتباعه كانوا هم أصحاب الرأي الغالب وأصحاب الثورة التي استمرّت بعد تخاذل أولئك وانسحابهم من الميدان......................

هذا يبين بوضوح ... أنّ السنّة النبويّة لم تكن قادرة على أن تفرض أحكامها وأهدافها على ذلك الواقع ، بل كان الواقع هو الذي يُخضع السنّة النبوية  ورأي القران لإرادته ويوجّهها في خدمته ، وإن تطلّب ذلك قلب المعاني الظاهرة ، ووضع الحديث  والكذب على الله ورسوله ، او ضد شخصية معينة ، كما فعل معاوية ضد علي بن ابي طالب{ع} كمثال على ذلك  لما رفع عمر بن عبد العزيز شتم أبي تراب جاء وفد من إيران " ومن قم بالذات الى الشام يطلبون من الخليفة ان يعفيهم من هذا القرار كي يستمروا في شتم علي{ع} حتى لو فرض ضريبة عليهم ...!!! ومن أمثلة الوقائع التي غيرت السنة النبوية والحديث وغيرت وجه التاريخ الإسلامي هي حروب الإمام علي {ع} لقول النبي{ص} يا علي تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين .. فرق ثلاثة سماهم النبي {ص} بنفسه ..هذه الحروب لا زالت إلى يومنا هذا تشق الأمة .. قصة رائعة يذكرها العلماء عن شخص كان متوجها إلى سامراء لزيارة الإمامين العسكريين{ع} حتى لو لم تكن واقعية ولكن حقيقتها واقعية جدا ... أثناء مسيرهفي الطريق رافق شخصا لا يعرفه ، وأثناء الكلام تبين إن ذلك الشخص يميل إلى معاوية في حربه مع الإمام {ع} وتطور الأمر إلى صراع فضرب ذلك الشخص رأس الموالي وشق رأسه ونزف دما كثيرا... سلب دابته وطعامه وماءه وتركه في الصحراء ، حين انتبه عرف نفسه انه ميت لا محال وهو بعيد عن الناس وعن وطنه , فعاتب الإمام المهدي{عج} ثم غشي عليه لما انتبه ثانيا شعر بوجود شخص يغسل وجهه ويضع الماء في فمه ، بعد أن استعاد وعيه قال له : نحن لا نحضر إلا إذا أمر الله بذلك ، خذ فرسك وسيفك واذهب لزيارة والدي وجدي وسلم عليهما، فوضع الموالي يده على جرحه فتألم ، فقال : سيدي أريدك أن تشفي ضربتي الآن, فأجابه لا هذه ستشفى طبيعيا ويبقى أثرها في جبهتك " وإذا سالك شخص عنها قل إني ضربت يوم صفين مع علي بن أبي طالب"  ....... فجاء التاريخ ليمحو آثار السنة النبوية في تلك الحروب ، فانقسم الناس بين مؤيد ومعارض لتلك الحروب لأنها فرقت بين خطين متناحرين ، خط يتمسك بالنص ولا يحيد عنه ، وخط يؤمن بالاجتهاد وتغليب المصلحة ، مثل قول عمر بن الخطاب " متعتان محللتان على عهد رسول الله وأنا احرمهما وأحاسب عليهما" الآن أصبحت هذه المقولة من الدين ولا يمكن المساس بها ... وأحاديث النبي {ص} مع إحدى زوجاته .. يشير إلى بيتها ويقول:" هنا الفتنة هنا الفتنة هنا الفتنة .. هنا قرن الشيطان " ولو أشار إلى بيت فاطمة الزهراء {ع} بهذا لكان لهم رأي آخر ....

 المشكلة الكبرى  هؤلاء الذين أظهروا عقيدة الجبر ، اعتبروا  كل ما يصنعه الخليفة قضاء وقدر ،وهو حقيقة الدين وهو شريعة سيد المرسلين لأنهم الفئة المتغلّبة التي بسطت نفوذها وآراءها لتصبح ممثلة للإسلام وجمهور المسلمين .. فمن سيحكم عليها وهي الحاكمة على الناس ؟! فجعلوا اسما لهم يليق بالدين قربا وعلما.. اختاروا ما يحلو لهم من الأسماء من قبيل ( أهل السنّة ) ، وأن يكون من خالفها في شيء فهو من أهل البدع والفرق المخالفة للسنّة !!

والنتيجة من هذه القراءة السريعة  إنّ كثيراً ممّا نقرأه عن الفرق الإسلاميّة هو مفتعل مصنوع لا أصل له ، وإنّما أفرزه أمران.

الأول : النزاع الطائفي المحتدم في المراحل الأولى من نشأة المذاهب والفِرق جعل الناس يتحزبون لفقيه معين.. .والثاني : آراء الطلاب والكتاب الذين يأخذون رأيهم من شخص معين  ، يساعدهم حكام الجور الذين دعموا ذلك الاسم.....

 الخلافة وأثرها في نشأة المذاهب والفرق:....

 لا يختلف اثنان أنّ الواقع الذي أفرز مبدأ « سنّة الشيخين » مرجعاً تشريعياً بعد الكتاب والسنّة ، ذلك المبدأ الذي وضِعَتْ بذرته الأولى يوم أثبت الشيخان قدرتهما في السقيفة وساقا  الناس إلى البيعة ، ثم تلاه إدارةُ قويّة تميّزت بالحزم في اتخاذ القرار ، مالياً كان أو اجتماعياّ أو عسكرياً أو دينيّاً ، صاحب ذلك وجود صنف من الناس جُبِلوا على طاعة القويّ الحازم الذي يمتلك زمام المبادرة ، إضافة إلى من يبحث في  مصلحته   ومصلحة عشيرته ، كموقف الأنصار يوم السقيفة  ممّا يعطي  الحاكم قوة ويصبح قرارَه هيبةً ونفوذاً في نفوس الناس ...حتى أصبح قرار الحاكم أقوى من قرار النبي{ص} كمثال على ذلك  حين سارعت الألوف في تلبية نداء الحرب مع إخوان لهم من المسلمين امتنعوا عن نقل الزكاة إلى الخليفة اعتراضاً على شخصه وطريقة انتخابه ولم يكفروا بحكم الزكاة ، فقاتلوهم استجابة لقرار الحاكم ..قتالا كما قاتلوا الذين ارتدّوا عن الدين صراحةً ، عاملوهم نفس الأسلوب لان قرار الخليفة واحد بين حجز الزكاة عنه وبين الردّة !

وهكذا كان ينفذ القرار بكلّ قوة ودون أن تكون هناك نافذة للحوار والمناقشة ، وإن حدث طرف من ذلك فالحسم دائماً لصالح قرار الخليفة نفسه ، وجرى ذلك في الأمور الدينية والتشريعية بالقوة نفسها ،نذكر ينفذ قرار الخليفة في منع الروايات ومنع أحاديث النبي   والإفتاء بسنّته ، والمنع من تدوينها ، وفي تعطيلها أحياناً ، حتّى يصبح قرار التعطيل هو السنّة وتصبح سنة النبي هي البدعة ... مثلا التاريخ يذكر في قصة معروفة  إن عمر بن الخطاب هو من شَرع صلاة التراويح جماعة بإمام ، لأنه لا صلاة نوافل بإمامة .. وحين جاء علي {ع} إلى السلطة رفع تلك البدعة ، فخرج بعض الناس ينادون السنة السنة , وا عمراه .. فقال الإمام لابنه الحسن{ع} دعهم يصلون ...!!! هذا في تفاصيل الصلاة ، وأخرى في مناسك الحجّ ، وفي أحكام الأحوال الشخصية ، وفي الحقوق المالية وغير ذلك ونجح قرار الخليفة إلى اليوم في صناعة صلاة جديدة ، كما هو شأن صلاة التراويح ، بالرغم من أنّ صانعها نفسه يصفها بالبدعة ، إلا أنّها تصبح بعد أيام هي السنّة الثابتة ، ومن خالفها فقد أحدث في الدين !من كلّ ذلك وأمثاله برز مبدأ جديد لم تعرفه الأمة من قبل ، ولا دعا إليه كتاب الله ولا نبيه الكريم {ص} هو مبدأ « سنّة الشيخين» !هذا المبدأ ولد في قمّة الهرم السياسي ، ومن ورائه الجمهور العام الذي ينتظم في سلك الطاعة ، ظهر وكأنّه الأصل الذي عليه الناس ، فمن خالفه فقد خالف « جماعة المسلمين » وتحقق لسنّة الشيخين موقع المرجعية ، وكأنّ الأصل في الدين وبديل عن سنة النبي في اغلب الأحكام ..!!!

هذا النظام قاد الجمهور في سلك الطاعة إلى مزيد من المبادئ الجديدة التي تحل دائماً بدائلَ عن المبادئ الأصيلة التي أقرّها القرآن الكريم والسنّة المطّهرة .. ولكونها أيضاً قد انبعثت من « القمّة » بتأثير الخلافة ومشاريعها الدينية والسياسية والثقافية النافذة على عامّة الناس ،صارت من مميّزات « الجماعة » التي من خالفها كان مبتدعاً ، داعياً إلى فتنة !

 {{نشأة التسمية بأهل السنّة والجماعة :}}

هذه التسمية مرت بمرحلتين ؛ المرحلة الأولى لقب « الجماعة » أطلقه الأمويون على العام الذي تسلم الملك لمعاوية وانفراده به ، فقالوا : عام الجماعة أعطوه صفة جديدة وفي حقيقته حادث تأسس على الغَلَبة والغدر لصالح الفئة الباغية ، بلا نزاع في ذلك ، ورغم ذلك فقد بقي اسم الجماعة مرهون بطاعة الحاكم والانصياع لأمره حتى بالباطل ، ومن تمرّد عليه فهو خارج على الطاعة مفارق ل‍ « الجماعة » مستحقّ للعقاب ...وأول ضحايا هذا الرأي الصحابي الجليل حُجر بن عديّ الذي كان ينكر على المغيرة وزياد سبَّهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب   ، وكلّما تمادوا في ذلك صعّد من إنكاره ، فكتب زياد إلى معاوية في حُجر وأصحابه : إنّهم خالفوا « الجماعة » في لعن أبي تراب ، فخرجوا بذلك من الطاعة !  فقتلهم معاوية ، واحتجّ بقوله : إنّي رأيتُ قتلهم صلاحاً للأمة ، وأنّ بقاء هم فساد للأمة ! يقول ابن العربي : جعلهم معاوية ممّن سعى في الأرض فساداً ـ يعني حُجر الخير  !! أصبح الصلاح والفساد  يحدّده معاوية ، وليس لله حكم ولا شريعة ! شأن أيّ حكم استبدادي ليس له أدنى صلة بالدين .. وهو الأمر الذي قتل فيه الإمام الحسين {ع} وأصحابه الكرام في كربلاء .....وأصبح ( الَّذِينَ يَأٌمُرُونَ بِالٌقِسٌطِ مِنَ النَّاسِ  مفسدين في الأرض ، خارجين على « الجماعة » ساعين في الفتنة !..بينما بقيت الجماعة الملتزمين  بطاعة « الخليفة » دون النظر إلى طريقة استخلافه ودينه وأخلاقه أو عقله .. خطب الوليد بن عبد الملك يوم بويع له بالخلافة ، فقال : « أيّها الناس ، عليكم بالطاعة ، ولزوم الجماعة ، فإنّ الشيطان مع الواحد ! أيّها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه  

هذه هي فلسفة الطاعة والجماعة عندهم ، والتي بقيت تميّز أهلها عن غيرهم ممّن لا يعتقد بالولاء لحكام الجور والفساد ..

أمّا ما يدّعيه البعض من أنّ « الجماعة » مأخوذة من متابعة إجماع الصحابة وإجماع السَّلَف ، فإنّما هي دعوى لا يسندها لا واقع بشيء ، لكنّ المشكلة أنّهم اختزلوا مساحة « السَّلَف » الذين يقولون بإمامة كلّ متغلّب فقط ولا يعيرون أهمية ولا حرمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين يراه غيرهم ..  

         الذي يقول بتنصيب الحاكم بالغلبة يحكم بعدالته ، حتى لو اتهم بالكذب والغش والخيانة أو مارس الزنا ، أو من يعزره عمر ويطرده ويقام عليه الحدّ ، وتردّ أحاديثه ، ويكذَّب عليها ، لا يهم  في ذلك كلّه وتاريخهم ثابت منه { قصة ضياء جمال الدين في مصر مع محمود أبو ريه } المهم أهل « الجماعة » يحكمون بعدالة الصحابي ، ذلك المبدأ الذي روج له الأمويون ، وكان من أحسن ما نفعهم من مبادئ ابتدعوها !

 {{ أما لفظ « السنّة }}» فلم يظهر مقروناً بلفظ « الجماعة » في بادئ الأمر ،  في العهد الأموي ابتدأت كلمة الجماعة أول خلافة معاوية ثم استمرت الإحكام والأوامر  من قصر الخلافة فصار المتمسكون بآراء معاوية من  سلك « الجماعة » وبين الآخرين الذين يؤمنون بقداسة الدين والنص ولا يتبعون أحكام  بني أمية هؤلاء أهل البدع..!!! ..أما  « أهل السنّة » فإنّما يراد بهم أهل الطاعة و « الجماعة » أنفسهم ،   ولعلّ أول ظهور لهذا التقسيم جاء في حديث ابن سيرين  القائل :{ كانوا لا يسألون عن الإسناد حتّى وقعت الفتنة ، فلمّا وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ، ليُحدَّث حديث أهل السنّة ويُترك حديث أهل البدعة}  .صحيح مسلم ـ المقدّمة ـ باب ٥...وابن سيرين هذا لم يكن له ذكر في القرّاء والعلماء الذين نهضوا على الحجّاج سنة ٨٢ ه‍  { وقد ذكروا في ترجمته بأنه كان لا يعبيب على السلاطين شيئاً .. فمن هم أهل البدع عنده ؟لقد وجدناه يقول في معاوية بن أبي سفيان : « كان معاوية لا يُتَّهم في الحديث عن النبي{ص}  وعنده معاوية من أهل السنّة ؟} إنّ الميزان الذي وضعوه لتمييز البدعة من السنّة هو {الواقع التاريخي للخلافة وآثارها الثقافية التي أفرزها الصراع ، فلم يكن لعنُ عليّ والحسن والحسين : والبراءة منهم بدعة , لكن تفضيل عليّ على عثمان وحده بدعةً !!

               ومرت السنون وجاء طاغية جديد هو المتوكل العباسي  الذي سمّي « ناصر السنّة » ذلك لان المتوكّل هو الذي نكل بالمعتزلة لأنهم  كانوا يقولون بخلق القرآن ، فنَصر الإمام أحمد بن حنبل وأفرج عنه من السجن وأعطى اسما لأحمد بن حنبل  فكان اسم أحمد « إمام السنة » فقالوا في المتوكّل : أظهر السنّة وتكلّموا  بها في مجلسه وكتب بها إلى الآفاق في دعم رأي الإمام احمد بن حنبل .. فأصبح المؤمن بالنظريتين  أتباع رأي الحكام وأتباع الحاكم والصحابة ويؤمن بالقوة والغلبة والانتخاب بعد أن ادخله العباسيون .. فانه من أتباع السنة والجماعة ....

كان المعتصم شديد البغض لعليّ {ع} ولأهل بيته ، يقصد من يبلغه عن من يتولى عليا وأبناءه{ع} يأخذ مالهم ويباح دمهم  ، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنّث ، يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة ويكشف رأسه ، وهو أصلع ، ويرقص بين يدي المتوكّل ، والمغنّون يغنّون« قد أقبل الأصلع البطلين ـ خليفة المسلمين » يعني بذلك عليّاً ، والمتوكّل يشرب ويضحك ..

 كان ينادمه ويجالسه جماعة اشتهروا بالنّصب والبغض لعلي ، منهم : علي بن الجهم الشاعر الشامي ، وأبو السِّمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالى بني أمية وبان اُترجّة العباسي الهاشمي   .. وهدم قبر الحسين   وهدم ما حوله من المنازل وأمر أن تُحرث وتزرع ، ومنع الناس من زيارتها ,وصف  بعضهم هذه التصرفات إنها غطّت علي جميع حسنات المتوكّل   ، لكن هذا كله  لم يُخرج المتوكّل من أهل السنّة إلى أهل البدعة ناهيك ان يخرجه عن الدين !!

            وأصبح الإمام احمد بن حنبل مقدما عند المتوكل والعباسيين ومرجعا أليهم  سئل يوما ابن حنبل في من قدّم عليّاً على عثمان في الفضل ، فأجاب : « هذا أهلُ أن يُبدَّع »  يعني من يقول ذلك من أهل البدعة ... بينما يرى الأمامية قول علي{ع} {نحن أهل البيت لا يقاس بنا احد }.........ـ وسأله المتوكّل يوما عن أشخاص من أهل العلم ، مَن منهم يصلح للقضاء ؟ فكتب إليه فيهم فرداً فرداً ، ثمّ ختم كتابه " إنّ أهل البدع لا ينبغي أن يُستعان بهم في شيء من أمور المسلمين ، فإنّ في ذلك أعظم الضرر على الدين ، مع ما عليه رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه من التمسّك بالسنّة والمخالفة لأهل البدع »  يعني بهم ممن يرى آراء جعفر بن محمد الصادق{ع} وفي ختام كلامه يرى ابن حنبل أقراره التام ما يراه المتوكل هو حقيقة السنة..!!

ويقول تاريخ هذا الرجل ابن حنبل انه يوثّق أشدّ الناس نصباً وتمادياً في شتم عليّ وأهل البيت{ع} ، ويطريهم أحسن الإطراء ، أمثال  « حريز بن عثمان » دلالة كافية ، هذا الذي كان يستعيض عن ذكر الله بشتم الإمام عليّ ، يقول فيه أحمد بن حنبل « ثقة ، ثقة ، ثقة » وهو في الوقت نفسه يقول : « كان يحمل على عليّ » !!

  كتب ابن الجوزي : أنّ المتوكّل جمع  الفقهاء والمحدّثين ، منهم : مصعب الزبيري أي يرى أحقية طلحة والزبير في حرب علي{ع} ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وإبراهيم بن عبد الله الهروي ، وعبد الله وعثمان ابنا محمّد بن أبي شيبة فقُسمت بينهم الجوائز والهدايا وأموال  ، ثم أمرهم المتوكّل أن يجلسوا للناس وأن يحدّثوا بالأحاديث التي فيها الرّد على جميع العلماء والفقهاء اللذين لا يرى المتوكل رأيهم,, وأمرهم أن يُحدّثوا بالأحاديث في الرؤية , أي الاجتهاد....!!.هذه الأجواء فتحت باباً فسيحاً للكذب ووضع الحديث ،كتب عنه الذهبي وغيره من علماء السنة .. حتى اصبح للعلم بابا اسمه باب الجرح والتعديل ... كالذي حدث في فضائل الصحابة زمن معاوية , فوضعت أحاديث كثيرة في صفات الله  تفيد التجسيم التي يتبناها ابن تيمية والوهابية والسلفيون الآن  ، وفي الرؤية ، وفي قِدَم القرآن ممّا ليس له أصل في الإسلام ، ولم يُعرَف قبل هذا التاريخ  .

وفي هذه الأجواء نشطت عقيدتا « التشبيه » و « التجسيم » المنحرفتان ، هنا يبدو أنّ لقب « أهل السنّة » كان له ظهور فعلي في هذه المرحلة بالذات ، مرحلة أحمد بن حنبل والمتوكّل ، في خضمّ الصراع الفكري حول القرآن ؛ أهو قديم أم حادث مخلوق ! ذلك الصراع كان مصحوباً بالعنف في أكثر مراحله..............................

أصبحت عقيدة كل من صوّب خلافة أبي بكر وعمر وعثمان مقلدا لمعاوية ، صحيح بعض الفقهاء لعنوه ، ومنهم تبرءوا منه ، وآخرون  خطّأه وذكروا حجم الفساد الذي أدخله على الدين وشوه هذه الأمة. وفي عصرنا أكثر الكتاب السنة يدينونه  لكنّ المشكلة تكمن في أنّ جذور الصراع الطائفية تذهب بكلّ قولٍ أو موقفٍ فيه بصمات الاعتدال والموضوعية ، ليظهر فقط ما يغذّي العصبية  فتبرز المواقف الشاذّة وغير المسؤولة التي مزقت الأمة .... السنّة والجماعة » الرأي الشاذّ الذي لا يعترف بخلافة الإمام عليّ {ع} ، ودان به هل العلم والفقه والحديث منهم ، حتّى ثبّتها أحمد بن حنبل ،  بقيت في زمنه محلّ نزاع إلى أن استقرّت كما ثبّتها ، وفق الترتيب التاريخي ،أن يكون رابعا  الذي جعله مقياساً للتفاضل بينهم أيضاً !ولكننه  أول من ذكر فضائله وذكر الأحاديث التي وردت فيه ........

  وأول من حذف اسم علي من الخلفاء هو معاوية حين كان يخطب فيذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثمّ يتحدّث عن نفسه وسياسته ولا يذكر عليّاً {ع} ، بل يذكره في آخر خطبته بالشتم والسبّ واللعن !

قال أحمد بن حنبل : ما لأحدٍ من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لعليّ رضي الله عنه  وقال : عليُّ من أهل بيتٍ لا يقاسُ بهم أحد !  وسُئل يوماً : ما تقول في هذا الحديث الذي يروي ، أنّ عليّاً قال : « أنا قسيم النار » ؟ فقال : وما تُنكرون من ذا ؟ أليس روينا أن النبيّ {ص}  قال لعليّ : « لا يحبّك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق » ؟ .. قالوا : بلى .. قال : فأين المؤمن ؟.. قالوا : في الجنّة ..وأين الكافر ؟.. قالوا : في النار .. قال : فعليُّ قسيم النار  .

                                             مدرسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) العلمية  

 

شهد القاصي والداني ، أنَّ الإمام الصادق ( ع}هو صاحب المقام العلميِّ الرفيع ، الذي لا ينازعه فيه أحد . حتى توافدت كلمات الثناء ، والإكبار ، والإعجاب بشخصه وعلمه سواء من قِبَل الحكَّام ، وأئمَّة المذاهب ، والعلماء ، وتراجم الرجال ،  نكتفي من تلك الكلمات بإشارات :يقول أبو حنيفة : ما رأيت أفقهَ مِن جعفر بن محمَّد ، لمَّا أقدمه المنصور بعث إليَّ فقال : يا أبا حنيفة ، إنَّ الناس قد افتُتِنُوا بجعفر ، فهيِّئ له من المسائل الشِداد . فهيَّأتُ له أربعين مسألة ، فلمَّا أبصرتُ به دخلَتْني من الهيبة لجعفر ( الصادق ) ما لم يدخلني لأبي جعفر ( المنصور ) . فجعلتُ أُلقي عليه فيُجيبني فيقول : ( أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربَّما تابعناهم ، وربَّما خالفنا جميعاً ) . حتى أتيت على الأربعين مسألة ، ثم قال : ( ألَسْنا رَوينا أنَّ أعلم الناس ، أعلمُهم باختلاف الناس ) ؟ . واعترف أبو جعفر المنصور ، وأقرَّ بفضله حين قال : إنَّ جعفراً كان ممَّن قال اللهُ فيه : (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) ، ( فاطر : 32 ). وكان ممَّن اصطفاه الله ، وكان من السابقين في الخيرات .ورغم اعترافه بفضل الإمام الصادق ( عليه السلام ) في قوله : سيِّدُ أهل البيت ، وعالِمُهم ، وبقيَّة الأخيار منهم ، إلا أنه كان يضيِّق على الإمام ( عليه السلام ) ، ويكيد له ، حتى اغتاله بعد أن قال : هذا الشجا المعترِضُ في حَلْقي مِن أعلم الناس في زمانه . امتازت الفترة التي عاشها الإمام الصادق ( ع ) بأنها مرحلة نمو العلوم ، وتزاحم الثقافات المتنوِّعة . بسبب انفتاح البلاد الإسلاميَّة على الأمم الأخرى ، وانتشار الترجمة التي ساعدت على نقل الفلسفات الغربيَّة إلى العرب .فبدأ الغزو الفكري باتجاهاته المنحرفة ، وعاداته الهجينة ، ونشأت على أثره تيَّارات الإلحاد ، وفِرَق الكلام ، والآراء الغريبة ، والعقائد الضالَّة . وقد تطلَّبت تلك الظروف أن ينهض رجل ، عالِم ، شجاع ، يردُّ الضلال عن حصون الرسالة المحمدية .فكان أن قيَّض الله وليَّه الإمام جعفر الصادق ( ع ) الذي فاضت حياته بالعطاء ، والعلوم الغزيرة المتعدِّدة ، من : الحديث ، والتفسير ، والعقيدة ، وسائر أبواب الفقه ، والشريعة .نَقلَها نقلاً أميناً ، عن منابع النبوَّة المُحمَّديَّة الخاتمة ، وعن منابع التشريع ، حتى لُقِّب ( ع ) بـ( المحقِّق ) ، و( كاشف الحقائق ) . لأنه ( عليه السلام ) كان مَرجِعَ الأمَّة بِحَقٍّ ، وإمامَها الذي تتلمذ على يديه مئات الأعلام من الفقهاء ، والمشايخ ، بعد أن فتح لهم باب التخصص العلمي في العلوم العقلية ، والطبيعيَّة ، كالكلام ، والكيمياء ، والرياضيات ، إضافةً إلى أبواب الشريعة الإسلاميَّة .

كما وضع ( ع) القواعد الواضحة لمسائل الأصول ، والفقه ، ليُربِّي في تلامذته مَلَكةَ الاجتهاد ، والاستنباط ، كقاعدة الاستصحاب، والبراءة ، والضمان ، والتخيير ، وغيرها . وبما أنَّ الغزو الفكري الغربي قد رافقَتْه حريَّة غير موجَّهة ، وانفتاح في إبداء الآراء ، هيَّأتهما السلطة الحاكمة . لذا أحدث ذلك الغزو ارتباكاً في عقائد المسلمين ، فجنَّد الإمام الصادق ( ع ) جهوده العلمية الهائلة لمواجهة الانحراف والتحريف ، بمواقف علميَّةٍ ، وعقائدية . وذلك كان من خلال إجابته على كلِّ المسائل ، وردِّ كل الشبهات ، وإفحام كلِّ التشكيك ، والأضاليل ، وبيان كلِّ أمرٍ من أمور الدين ، والدنيا ، ممَّا يُتساءَل عنه . حتى استطاع بذلك الجهاد العلمي المؤيَّد برعاية الله وعنايته ، أن يوقف الزحف الضلالي على العالم الإسلامي ، ويكشف زيفه ، ويبين أباطيله .

تأسيس المدرسة :كان الإمام الصادق (ع) قد ساهم مع أبيه الإمام محمَّد الباقر ( ع) ، في تأسيس مدرسة أهل البيت ( ع ) في المدينة المنورة . وقد اتخذا من الحرم النبوي المنور مركزاً لإلقاء الدروس ، حتى تحوّل إلى أكبر معهدٍ من المعاهد الإسلامية في زمانه . فربّى جيلاً عالماً انتشر في أنحاء البلاد ، يبث حقائقَ الدين ، ويُبيِّن معالمه  

وقد أجمع العلماء ، مثل : الشيخ المفيد ، والشيخ الطبرسي ، والفتَّال النيسابوري ، والشهيد الثاني ، وابن شهر أشوب وغيرهم ، أنّه نُقل عن الإمام الصادق (ع ) من العلوم ما لم يُنقَل عن أحد . حتى أن أصحاب الحديث جمعوا أسماء الرواة الذين رووا عن الإمام الصادق (ع ) - على اختلاف آرائهم - ، فكانوا أربعةَ آلاف راوٍ .

وهكذا كانت جهوده المباركة جهاداً علميّاً كبيراً ، أرسى من خلاله قواعدَ الدين ، وثبَّت أصوله ، وفروعه ، وعقائده .وبقيت أطروحاته حية نقية يستمد منها الناس  العلم والآراء الحكيمة ، وتوجيهاته القَيِّمَة .وليست العلوم الإسلاميّة وحدها عيالاً على مدرسته و كثيراً من العلوم الحديثة كان يقدمها بكل اقتدار لطلابه في الكيمياء والفلك والطب والهندسة فتلقفها الفقهاء وتأثروا بها ...هذا الإمام الشافعي لا يتحفّظ من المجتمع في إظهار حبّه لأهل البيت : ، حتّى يصفوه ب‍ ( الرفض ) وليس التشيّع فقط !! فأنشد في ذلك شعراً كثيراً يؤكّد ما هو عليه من حبّ ، وأنّ ما يقال فيه لا يزيده إلا إصراراً عليه :

 أمّا أبو حنيفة فقد خرج من ولاء الأمويين إلى ولاء الثورات العلويّة منذ ثورة زيد الشهيد ، وبعده محمّد وإبراهيم أولاد عبد الله بن الحسن ، حتّى مات على ذلك في سجن أبي جعفر المنصور  .

وحتى من كان فيه مداراة وتقيّة ، كالحسن البصري ، فقد أظهر في متنفسا يبعده عن تلك الدائرة ، وكلمته في معاوية هي من أشهر ما قيل فيه : « أربع خصال كنّ في معاوية ، لو لم يكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف .. واستخدامه بعده ابنه سكّيراً خمّيراً .. وادّعاؤه زياداً .. وقتله حُجراً وأصحاب حُجر ، فيا ويلاً له من حُجر ! ويا ويلاً له من حُجر »  !!

روى الشيخ الكليني والطوسي عن أبي أيوب النحوي انه قال: بعث ألي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فرايته  جالساً على كرسي وأمامه شمعة وبيده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب ألي وهو يبكي. فقال لي: هذا محمد بن سليمان يخبرنا إن جعفر بن محمد قد مات، فانا الله وإنا أليه راجعون  وأين مثل جعفر؟  ثم قال لي: اكتب، قال: فكتبت ان كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدمه واضرب عنقه قال: فرجع إليه الجواب انه قد أوصى إلى خمسة وأحدهم أبو جعفر المنصور ومحمد بن سليمان وعبد الله وموسى وحميدة.

  كان الإمام{ع} يعلم إن المنصور سيقتل وصيه فأشرك هؤلاء النفر  فكتب اسم المنصور وموسى ولده هو الذي كان مخصوصاً بالوصية دونهم .....